تظهر الأحداث في منطقتنا العربية اليوم وكأنها مشاهد متكررة من مسرحية عبثية، أبطالها أنظمة باعت أوطانها من أجل حماية عروشها، وجعلت من المال وسيلة للنفوذ والتبعية في آن واحد. والمتأمل في مسار هذه الأحداث يدرك أن ما يجري في اليمن ليس مجرد حرب عابرة، بل هو انعكاس لصراع أكبر بين مشروع التبعية ومشروع التحرر.
السوداني الذي فرّط في جنوب السودان وأفقد وطنه جزءاً أصيلاً من أرضه، يأتي اليوم بجيشه ليقاتل في جنوب اليمن، لا حباً باليمنيين ولا دفاعاً عن الحق، بل سعياً وراء فتات المال الخليجي. إنها صورة تعكس كيف تتحول الجيوش الوطنية إلى أدوات مأجورة عندما يغيب المشروع الوطني ويُستبدل بأجندة خارجية.
وفي المقابل، نجد الجنوبي الذي سلّم أرضه ومياهه للقوى الأجنبية، قد ترك جنوب اليمن الذي هو أولى بحمايته، ليذهب حارساً لحدود السعودية. وهنا تبرز المفارقة المؤلمة: كيف يمكن لمن عجز عن حماية بيته أن ينجح في حماية بيت الجار؟ إنه فقدان كامل للبوصلة، وضياع للمبدأ، وانغماس في دور وظيفي يخدم المستعمر لا القضية الوطنية.
أما الإماراتي، فقد سلّم جُزره الاستراتيجية لإيران دون أن يطلق رصاصة واحدة، ثم أراد أن يعوّض خسارته بتوجيه طموحه نحو الجزر والموانئ اليمنية. ظن أن المال والنفوذ سيمنحانه شرعية على أرض ليست أرضه، متجاهلاً أن هذه الأرض عصية على الغزاة منذ قرون، وأن التاريخ لا يرحم الطامعين مهما تعددت أسماؤهم وأقنعتهم.
والسعودي لم يكن بعيداً عن هذا المشهد، فقد قدّم ثروات بلاده على طبق من ذهب للأمريكي والإسرائيلي منذ عقود، وجعل من النفط سلاحاً بيد الآخر لا بيده. واليوم يمد يده لثروات اليمن وكأنها ميراث خاص، متناسياً أن الشعب اليمني يرى هذه الأطماع بوضوح، ويواجهها بصمود أسطوري، وأن ما لم يحصلوا عليه بالقوة، لن ينالوه بالخداع.
هذه الحقائق تكشف أن هذه الأنظمة لا تتحرك بدافع حماية الأمن القومي كما تدّعي، بل تتحرك ضمن أجندة أمريكية صهيونية واضحة. فالتحالف المزعوم لم يكن يوماً سوى غطاء لخدمة المصالح الغربية. ومن يتحالف مع السعودية والإمارات لا بد أن يجد نفسه في خندق واحد مع واشنطن وتل أبيب. ومن يرفع شعار "شكراً سلمان" و"شكراً عيال زايد"، سيجد نفسه في النهاية يردد "شكراً ترامب" و"شكراً نتنياهو". إنها سلسلة واحدة، حلقاتها مرتبطة، ونهايتها الارتهان الكامل للعدو التاريخي للأمة.
لكن هؤلاء جميعاً أخطأوا في قراءة التاريخ والجغرافيا. فاليمن ليس بلداً عادياً يمكن إخضاعه بالحصار أو شراء ولاءات بعض المرتزقة. اليمن عبر تاريخه كان مقبرة للغزاة، من الأحباش إلى العثمانيين، ومن البريطانيين إلى تحالف اليوم. وما يميز اليمن أنه لا يكتفي بالمقاومة العسكرية، بل يقدم دروساً في الكرامة والسيادة، ويغرس في الأجيال معنى الرجولة والوفاء.
اليمن اليوم يعيش أصعب الظروف: حصار خانق، عدوان مستمر، وموارد محدودة. ومع ذلك استطاع أن يصمد ويواجه، بل ويحوّل التحديات إلى فرص للاعتماد على الذات. وهذا ما يفتقده خصومه، الذين رغم أموالهم الطائلة، يعيشون في حالة تبعية وذل أمام الغرب.
إنها معركة كبرى بين هوية تُباع في أسواق السياسة، وهوية تُصان بالدماء. والأنظمة التي باعت أوطانها ستجد نفسها حتماً في مزبلة التاريخ، بينما اليمن يواصل كتابة ملحمة الصمود. وما لم يفهمه الطامعون هو أن اليمن ليس مجرد أرض، بل روح وإرادة متجذرة في التاريخ.. واليمن مدرسة لتربية وتعليم الرجولة، ومقبرة تتسع لهم جميعاً.