حين بكت الأرض كلها .. فقيدها الشهيد رضوان الرباعي

حين بكت الأرض كلها .. فقيدها الشهيد رضوان الرباعي

الزيارات: 152

كيف لي أن أكتب عنك، وأنا لم أجفف دمعي بعد؟ كلما حاولت أن أمسك القلم، سبقت دموعي حبره، وكلما حاولت أن أُحرّر كلمة عبر شاشة هاتفي، انهمرت العبرات، كأنها وديان فقدٍ لا نهاية لها.

فكيف أكتبك يا رضوان، وأنت كنت للزراعة حياة؟ وكيف يُنصف الورق ذاكرةً ملأى بالعطاء، وروحًا متقدة بالوفاء، وقلبًا نابضًا بالوطن؟!
أيها الوزير الشهيد، أيها النقي كالتربة، الوفي كالمطر، الحالم كالمزارعين، اغتالك العدو الصهيوني لأنك كنت تشكّل خطرًا، لا بصوتك ولا بسلاحك، بل بمحراثك... بخططك التنموية... بحلمك أن يتحرر شعبك من استعباد الغذاء.
كنت تؤمن أن من يزرع قوته، يحرر قراره. فزرعت... ولم تنتظر موسمًا لحصاد المجد.لقد كنت عنوان الاكتفاء، وراية التنمية، وصوت الأرض التي كانت تتحدث على لسانك..
لقد زرع الشهيد رضوان الأمل حيثما عبر، وروّى التراب بحبه، كان في الحقول أكثر منه في المكاتب، وفي أعماق البحر أكثر منه في أعماق البروتوكول .. كان لنا أخًا وأبًا وصديقًا، يحمل وجع المزارع، ويحتضن حلم الصياد، ويربّت على كتف الرعاة.
واليوم، حين رحلت، لم يبكك أهلك فحسب...بل بكَتك كل شجرة، وكل نبتة، وكل سنبلة، وكل موجة بحر....الأرض تبكيك..
بكتك الجوف، وبكى قمحها الذي زرعته بحبك، واشتاقت إليك ذمار، بقيعانها، وكل مزروعاتها وارتجفت صعدة حزنًا، بأراضيها الخصيبة، تفاحها، ورمانها، وغصّت ريمة بالبكاء من فوق جبالها، وذرفت المحويت دمعًا سقت به مدرجاتها، وتهشّمت القلوب في حجة، بين سهولها وجبالها، ونام الحزن على ضفاف تهامة، بين وادي مور، وزبيد، وسردود، بين حبوبها... دخنها، وذرتها الشامية.
وافتقدك السمسم، والمانجو، وكل مزروعاتها، واغتمّت الحديدة بسواحلها، شواطئها، جزرها، وموانئها، وبكى البحر الأحمر، حيث عرفك الصيادون صوتًا يطالب بحقوقهم.
واشتد الحنين في تعز ووديانها، وحزنت إب، بقممها الخضراء، وارتعدت البيضاء وارتجفت، كل أشجارها، واغتمّت صنعاء، بعنبها ولوزها... ووديانها، وجبالها، وسهولها، وتاهت شمس مأرب في وجع سهولها وقيعانها،وسدها .. وحنّت إليك عِمران وحقولها
وأحنت الضالع رأسها لك إجلالًا، بين منتجاتها الريفية، وضاقت الأرض على لحج، وخنق الحزن بساتينها، وستذكرك سدود اليمن، وحواجزها المائية، وكرفاناتها، وستبكيك الأسماك التي كنت لها صوتًا وراعيًا، وستفتقدك الثروة الحيوانية التي كنت تحميها من النسيان، وستحزن عليك ثمار البلدة الطيبة، وحبوبها، وخضرواتها، وعسلها، وكم سيفتقدك البُن اليمني، بنفحته، وروعته، ورائحته التي كنت تعتز بها.
كنت تدرك أن الأمن الغذائي لا يتحقق بالشعارات، بل بالعرق، بالبحث، بالتخطيط، وبالعمل الميداني .. كنت تنزل إلى الحقول أكثر مما تصعد إلى المنصات، وكنت تحفر الأرض بأصابعك، قبل أن توقّع على الأوراق.
رسمت طريق لتوطين الغذاء، لتقليل الاستيراد، ولنهضة الصناعات الغذائية. لقد وضعت اللبنات الأولى لمشروع زراعي نهضوي، وحوّلت الطموح إلى واقع ملموس.
لكننا، ونحن نغالب الدمع، نقسم لك، يا رضوان، أننا على العهد باقون، وعلى دربك ماضون، سنحمل رايتك كما كنت تحمل سنابل الأمل، وسنكمل مشروعك، وسنزرع، ونبني، ونُصنّع، حتى نكسر قيود التبعية، وحتى يأكل هذا الشعب من خيرات ترابه كما أردت له دائمًا.
نم قرير العين يا سليل الأرض، فالبذور التي زرعتها ستنبت وفاءً،
وكل سنبلة ستحمل اسمك، وكل قطرة ماء ستردد حكايتك، وكل صيحة حرية ستحيي ذكراك.
سلامٌ عليك يا رضوان، يوم وُلدتَ وفيًّا، ويوم عشت مخلصًا، ويوم ارتقيت شهيدًا.
بقلم من لم يستطع أن يكتبك... لأن الدمع كان أسرع من الحبر،
ولأن وجعك أكبر من الحروف.

طباعة