لا جهاد بلا تضحية، ولا صدق في مواقف الأمم والشعوب دون تقديم التضحيات الجسيمة التي تعكس عمق الانتماء وصلابة الموقف. وعندما يسقط القادة شهداء في معركة العزة والكرامة، فإنهم يكتبون للتاريخ صفحات من نور لا يستطيع أن يطمسها المرتزقة ولا أبواق النفاق مهما حاولوا.
لقد أثبتت التجارب أن التضحية هي التي تحسم الموقف، وأن دماء الشهداء هي التي تصنع التاريخ وتغير الموازين. وكلما ارتقى قادة كبار شهداء على درب القدس، ازداد اليقين بأن معركة التحرير قادمة لا محالة، وأن الأمة تسير رغم الجراح والمؤامرات نحو الفتح الموعود.
إن هذا الطريق قد يكون طويلاً ومليئاً بالتضحيات، لكنه الطريق الوحيد الذي يعيد للأمة عزتها وكرامتها، ويمحو عنها عار الهزيمة والخذلان.. ولذلك فإن استشهاد رئيس الوزراء وعدد من الوزراء على درب القدس يمثل أصدق معاني التضحية، ويكشف أن المواقف الحقيقية لا تُقاس بالشعارات المرفوعة ولا بالبيانات المكتوبة، بل بالدماء الزكية التي تُراق على طريق التحرر.
ولم يكن استشهادهم مجرد حدث عابر أو تضحية شخصية تخصهم وحدهم، بل كان استشهادًا باسم الشعب اليمني كله، وباسم الحكومة التي تمثل هذا الشعب، وباسم القيادة الحكيمة التي اختارت أن تسير في خط الجهاد والمقاومة. لقد ارتقى هؤلاء القادة وهم يحملون أمانة أمة بأكملها، ليؤكدوا أن الموقف اليمني تجاه فلسطين ليس موقفًا عاطفيًا أو ظرفيًا، بل موقف دولة وشعب وقيادة آمنت أن القدس قضيتها المركزية، وربطت مصيرها بمصير فلسطين، وقدمت في سبيل ذلك أعظم التضحيات.
إن هذه الدماء العظيمة تؤكد أن قضية فلسطين لم تعد مجرد ورقة سياسية أو خطاب إعلامي يتكرر في المناسبات، بل صارت مساراً عملياً وميداناً للدماء والأرواح، وأن هناك رجالاً صادقين على استعداد لأن يضعوا أرواحهم على أكفهم دفاعاً عن القدس وعن الأمة بأسرها. لقد أراد الشهداء أن يقولوا للعالم أجمع إن طريق القدس ليس معبداً بالوعود ولا بالتصريحات الدبلوماسية، بل هو درب محفوف بالصعاب، لا يُقطع إلا بالتضحيات الكبرى والصبر على الشدائد، وهو ما أثبتوه بأجسادهم الطاهرة ودمائهم الزكية.
لقد آن للأمة أن تدرك أن معركتها الحقيقية ليست في صراعاتها الداخلية ولا في خلافاتها الهامشية، بل في مواجهة العدو الصهيوني الذي يستهدف الجميع بلا استثناء. وإذا لم توحدنا دماء القادة الشهداء، فلن يوحدنا شيء آخر، لأن التضحية بالروح هي أعظم دليل على الصدق والإخلاص. وحين يتساقط القادة شهداء في مقدمة الصفوف، فإنهم يعطون الدرس الأبلغ أن القيادة ليست امتيازاً بل تكليفاً، وأن موقع المسؤولية لا يُحمى بالحراس وإنما يُثبت بالدماء في ساحات الشرف.
طريق القدس مرسوم بدماء الشهداء، والنصر وعد الله لعباده المجاهدين .. ومن يظن أن هذه الدماء ستضيع أو أن أثرها سينتهي سريعاً فهو واهم، لأن كل قطرة دم تسقط على درب القدس تفتح طريقاً للنصر وتغلق باباً أمام المتخاذلين.