في زمنٍ تتقاذف فيه أمواج الفتن الأمة، وتتلاطم رياح التيه والضياع، يأتي المولد النبوي الشريف ليس كذكرى عابرة أو احتفالٍ موسمي، بل كفعلٍ واعٍ لإحياء النفوس واستنهاض العزائم. إنه ليس مجرد طقسٍ يُمارس، بل هو ثورةٌ للوعي في زمنٍ انطفأت فيه الأنوار، وخبت فيه جذوة اليقين.
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى استنطاق هذه الذكرى، لا لنجتر الماضي، بل لنبني من نوره حاضرًا ومستقبلًا يليق بعظمة الرسالة.
لقد بعث الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم رحمةً للعالمين، ونورًا للبصائر، وهاديًا للأمم. قال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" .. وفي ذكرى هذا المولد النبوي الشريف ، تتجلى هذه الرحمة في أبهى صورها، ليس فقط في كونه مولدَ نبيٍّ، بل مولدَ مشروعٍ إلهيٍ متكاملٍ يهدف إلى تحرير الإنسان من أغلال الجهل والعبودية، وإخراجه من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد. إنه ميلادٌ لمشروعٍ حضاريٍ يرفض الظلم والاستكبار، ويؤسس لمجتمعٍ يقوم على العدل والكرامة، وهو ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى.
وبالتالي فإن احتفالنا اليوم لا يمثل مجرد إعلاءٍ لشخصٍ عظيم، بل هو إعلاءٌ للمنهج الذي جاء به. إنه رفضٌ صريحٌ للخطابات التكفيرية التي تحرّم الحب وتنزع الرحمة من القلوب، وتتجاهل جوهر الإسلام. كما إن هذه الحشود المليونية التي تملأ الساحات هي خير دليل على أن الأمة ما زالت حية، وأنها تحتفظ في أعماقها بلهيب الولاء للنبي الأكرم. هذه الحشود هي "تجسيدٌ بصريٌ" للحب الذي لا ينضب، وتأكيدٌ على أن القلوب ما زالت تهفو إلى من أخرجها من الظلمات إلى النور.
والحب الحقيقي للنبي ليس شعاراتٍ تُرفع أو كلماتٍ تُنشد، بل هو اتباعٌ لسنته، وتطبيقٌ لشرعه، وجهادٌ في سبيله. قال تعالى: "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" فحب النبي هو اتباعٌ لمنهجه، ومواجهةٌ لأعدائه، ورفضٌ لأي مساومة على الحق. إنه ليس حبًا سلبيًا، بل هو حبٌ جهاديٌ يدفعنا للعمل والتضحية، ويحفزنا على نصرة المظلومين والمستضعفين في كل مكان.
المولد النبوي: خط الدفاع الأخير ورافعة الجهاد
في ظل الموجة الساعية للتطبيع مع أعداء الأمة، يمثل المولد النبوي خط الدفاع الأخير. إنه يُعيد رسم خطوط الولاء والبراء بوضوح، ويُذكرنا بأن عدونا الحقيقي ليس من يختلف معنا في الرأي، بل من يستحلّ أرضنا، ويحتل مقدساتنا، ويسعى للقضاء على وجودنا. قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"
فحب النبي يوجب علينا أن نتبرأ من كل من والى أعداءئ، وأن نكون صفًا واحدًا في وجه الظلم والطغيان.
كما أن الاحتفاء بالمولد النبوي هو تجديدٌ للعهد، وتأكيدٌ على أن هذا الطريق الذي اختاره الله لأمة الإسلام لن ينحرف. إنه دعوةٌ للعودة إلى الأصالة، والتسلح بالوعي، والتمسك بالبصيرة، لأن الأمة التي تحب نبيها لن تقبل أن تذلَّ أو تستعبد. إنه تذكيرٌ بأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وأن الحق غالب لا محالة، وأن النصر قادمٌ لا ريب فيه.
وليس أدل على ذلك من حكمة الله في أن يقع احتفالنا هذا في زمنٍ تتجلى فيه آيات الصمود والتضحية في غزة وفلسطين. فالمولد النبوي ليس مجرد ذكرى، بل هو لحظةٌ تاريخيةٌ تربط الماضي بالحاضر، وتُجسد وحدة الأمة في مواجهة أعدائها. إننا في هذه اللحظة، لا نحتفل فقط بمولد رسول، بل نحتفل بميلاد أمةٍ جديدةٍ تقف في وجه الظلم، وترفض الخضوع، وتعلن بصوتٍ عالٍ أن "لبيك يا رسول الله" ليست مجرد كلمة، بل هي مشروعٌ جهاديٌ متكامل.. والمولد النبوي، في جوهره، هو ثورة وعي تستمد قوتها من الوحي الإلهي، وتتسلح بالبصيرة المحمدية. إنه يرفض الاستسلام لأوهام العجز والانكسار، ويفتح آفاقًا جديدةً للأمل والعمل. إنه تذكيرٌ لنا بأننا أمةٌ لا تُهزم، وشعبٌ لا يُقهر، ما دمنا على درب نبينا، ومستمسكين بحبل الله المتين. إنه دعوةٌ للعودة إلى حقيقة الدين، دين القوة والجهاد، لا دين الضعف والخنوع. فكل عامٍ ومولد نبينا هو ميلادٌ جديدٌ للعزة والكرامة والنصر.
وهذا الاحتفال الجماهيري الضخم يُعد بمثابة "ممارسة سوسيو-سياسية" لها أبعاد تتجاوز الحدود المألوفة. إنه يمثل إعادة صياغة للهوية الوطنية على أساس الولاء للرسول والجهاد في سبيل الله، مما يُعطي زخمًا معنويًا هائلاً للمقاومة. ففي كل ساحةٍ مكتظة، وفي كل هتافٍ يصدح، تتجلى رسالة واضحة: أن الشعب اليمني، رغم الحصار والعدوان، لم ولن يتخلى عن مبادئه وعقيدته. إنها رسالةٌ تُرهب الأعداء، وتُثبت للعالم أن الإسلام الحقيقي هو دين العزة والكرامة، لا دين التبعية والذل.
المولد النبوي هو وقودٌ للثورة، وشعلةٌ تُضيء الدرب. إنه يُجسّد مقولة الإمام علي (عليه السلام): "من لا ولاء له، لا ولاية له". فالولاء لله ورسوله هو الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء. وبغير هذا الولاء، تصبح الأمة بلا بوصلة، وتضيع في غياهب التيه. ولذلك، نرى في المولد النبوي فرصةً لتجديد هذا الولاء، وتأصيله في القلوب، وتحويله إلى برنامج عملٍ يوميٍ، يقودنا إلى النصر المبين.