اغتيال الحقيقة

اغتيال الحقيقة

الزيارات: 121

في انتهاكٍ صارخٍ لكل القوانين والأعراف الدولية، وفي مشهدٍ يختزل وحشية الاحتلال الصهيوني وخوفه العميق من الحقيقة، اغتال الاحتلال الصهيوني الأسبوع الماضي ستة صحفيين فلسطينيين، بينهم مراسلا قناة الجزيرة في غزة: الصحفيان أنس الشريف ومحمد قريقع،

اللذان ارتقيا شهيدين بعد استهدافٍ مباشرٍ لمخيمهم في محيط أحد المستشفيات بالقطاع، عندما كانوا يوثقون بأعينهم وعدساتهم جريمةً جديدةً تُضاف إلى سجل الاحتلال الأسود بحق الإعلام الحر.
هذا الاستهداف لم يكن حادثًا عابرًا أو نتيجة خطأ ميداني، بل هو جزءٌ من سياسةٍ ممنهجةٍ لإسكات الشهود، ومحو الصورة قبل أن تصل إلى ضمير العالم.
فمنذ بدء العدوان على غزة، تحوّل الصحفي الفلسطيني إلى هدفٍ معلنٍ لآلة الحرب الصهيونية. يدرك الاحتلال أن الكاميرا في يد الصحفي ليست أداة تصوير فحسب، بل سلاحًا لكشف جرائمه وفضح أكاذيبه. لذلك لم يتردد في قصف المخيم، في رسالةٍ واضحة: "لا أمان حتى لمن ينقل الكلمة".
استشهاد الصحفيين أنس الشريف ومحمد قريقع وزملائهما يعيد إلى الأذهان صورًا مؤلمةً لزملائهم الذين سبقوهم، من شيرين أبو عاقلة إلى يوسف أبو حسين، وبهاء الدين الغول، وحمزة الدحدوح، وحتى أولئك الذين سقطوا في الأيام الأخيرة دفاعًا عن حق شعوبهم في الحياة.
لقد اغتال الاحتلال الصهيوني عشرات الصحفيين الفلسطينيين بشكلٍ مباشر، وأُصيب العشرات، بينهم من فقد أطرافه أو قدرته على العمل. دُمّرت مكاتب إعلامية بالكامل، بما فيها وكالاتٌ أجنبية. ورغم هذه الأرقام المروّعة، يواصل المجتمع الدولي سياسة الصمت المطبق، بينما يغرق الموقف العربي الرسمي في بياناتٍ باهتةٍ تخلو من أي فعلٍ حقيقي، ليبقى الصحفي الفلسطيني وحيدًا بين القذائف والخذلان.
المفارقة المؤلمة أن بعض الأصوات المدافعة عن الصحفيين تأتي من داخل إسرائيل نفسها. فقد عبّر الصحفي الاستقصائي الإسرائيلي يوفال أبراهام بوضوحٍ عن استنكاره الشديد لهذه الجريمة، مؤكدًا أن استهداف الصحفيين في غزة ليس حادثًا فرديًا، بل سياسةٌ متعمدةٌ تهدف إلى طمس الحقيقة ومنع وصولها إلى العالم.
برحيل الصحفيين الفلسطينيين، خسر الميدان أصواتًا شجاعةً وصورًا صادقةً كانت تنقل للعالم تفاصيل الجرائم لحظةً بلحظة. لكنهما، مثل كل شهداء الصحافة في فلسطين، يتركان إرثًا من الصور والوثائق التي ستبقى شاهدًا أبديًا على وحشية الاحتلال. أما بقية الصحفيين الفلسطينيين وزملائهم الذين ما زالوا على قيد الحياة، فهم يواصلون العمل رغم الخطر الداهم، مدركين أن دورهم ليس مجرد تغطية أخبار، بل تسجيل شهادةٍ تاريخيةٍ على جريمةٍ لن تسقط بالتقادم.
إن استهداف الصحفيين في غزة ليس مجرد انتهاكٍ صارخٍ لكل القوانين والأعراف الدولية، بل هو إعلانُ حربٍ مفتوحةٍ على الحقيقة نفسها، وتأكيدٌ بأن الاحتلال الصهيوني يرى في الصورة والكلمة خطرًا يفوق وقع الرصاص والقذائف. فهو يدرك أن مشهد طفلٍ يُنتشل من تحت الركام، أو جريحٍ يصرخ في أروقة المستشفيات، أو أمٍّ تودّع أبناءها، قادرٌ على هزّ ضمير العالم أكثر مما تفعله البيانات العسكرية.
هذه الجرائم ليست حوادثَ معزولة، بل سياسةٌ ممنهجةٌ لإسكات الشهود ومحو الذاكرة البصرية والروائية للعدوان، حتى يبقى الاحتلال هو الراوي الوحيد للأحداث. لكن ما لا يدركه، أن دماء الصحفيين تتحول إلى وقودٍ يلهب إرادة زملائهم، وأن كل كاميرا تتحطم تُولد بدلًا منها عشرات العدسات الجديدة، أكثر جرأةً وأشد تصميمًا.
وما لم يتحرك العالم، ليس فقط ببيانات شجبٍ شكلية، بل بإجراءاتٍ عمليةٍ تفرض المحاسبة وتوقف آلة القتل، فإن دماء الصحفيين ستظل تسيل على أرصفة غزة، وسيظل الميكروفون والكاميرا في خطوط النار، يوثّقان حتى آخر نفس وآخر ومضة ضوء. إن الحقيقة، مهما حاول الاحتلال أن يدفنها تحت الركام، ستخرج، تمامًا كما تخرج الأرواح الطاهرة من بين الغبار، شاهدةً على الجريمة، ورافضةً أن تموت.

طباعة