في الوقت الذي بدأت فيه عدد من العواصم الغربية مراجعة علاقاتها مع إسرائيل والتعبير الصريح عن رفضها للجرائم المرتكبة في قطاع غزة، تقف العواصم العربية موقف المتفرّج، مكتفية بتصريحات هزيلة لا ترقى لحجم المأساة الإنسانية التي يعيشها الشعب الفلسطيني منذ ما يقارب العامين من القصف والحصار والتجويع.
وتحت ضغط إرادة الشعوب التي ملأت الشوارع احتجاجًا على المجازر، ودعت لوقف النفاق السياسي، في مشهد يعكس وعيًا أخلاقيًا متناميًا ورفضًا شعبيًا للانحياز المستمر إلى جانب القاتل.
أصبحت المواقف الإيجابية لبعض الدول الأوروبية، التي لطالما منحت الاحتلال غطاءً سياسيًا ودبلوماسيًا في المحافل الدولية تتجلى بوضوح من خلال تحركات مختلفة عن سابقاتها، سواء على مستوى التصريحات أو عبر قرارات عملية، منها المطالبة بوقف تصدير الأسلحة، وتعليق التعاون الأمني، وفرض عقوبات على المستوطنين.
أما في العالم العربي، فإن الصورة معكوسة تمامًا. الأنظمة الرسمية بدت وكأنها قد سلّمت بمسار التطبيع كقدر محتوم، ولم تعد ترى في الدم الفلسطيني ما يستدعي الغضب أو التحرّك الجاد. المواقف بقيت في إطار البيانات الشكلية التي لا تعبّر عن إرادة سياسية حقيقية، ولا تحمّل الاحتلال مسؤولية ما يجري، وكأن فلسطين لم تعد قضيتهم الأولى، وكأن أرواح آلاف الأطفال والنساء في غزة لا تساوي ثمن البيان.
اللافت أن هذا التباين بين الموقفين الغربي والعربي لم يعد محصورًا في حدود التقديرات السياسية، بل أضحى فضيحة أخلاقية، حين أظهر للعالم أن من لا يجمعهم بفلسطين تاريخ أو جغرافيا، يملكون الجرأة على الإدانة، بينما من يُفترض بهم أن يكونوا في مقدمة الصفوف، يلتزمون الصمت أو يمارسون التطبيع العلني بلا خجل.
ليس مفاجئًا أن تسبق دول أوروبية بعض الأنظمة العربية في الدفاع عن الفلسطينيين، بل المفاجئ حقًا هو استمرار الصمت العربي رغم كل هذا الخراب. المواقف الخجولة لا تعفي من المسؤولية، والتقاعس لا يُبرر، لا سياسيًا ولا دينيًا، ولا حتى إنسانيًا. فأن تصمت وأنت تملك المال، والإعلام، والسلطة، هو خذلان مكتمل الأركان.
من حق الشعوب العربية أن تسأل: لماذا تتحرك أوروبا بينما يلوذ العرب بالصمت؟ من الذي أفقد الحكومات العربية إرادتها؟ ولماذا أصبحت إسرائيل فوق المحاسبة في عواصمنا، بينما تواجه نقدًا متصاعدًا في برلمانات أوروبا؟ هذه الأسئلة لن تسقط بالتقادم، وستظل شاهدًا على لحظة مفصلية فقد فيها البعض شرف الموقف.
وكم هو مؤلم أن تصبح بعض الحكومات الغربية أكثر إنصافًا في خطابها من حكومات عربية تدّعي تمثيل الأمة. والمؤلم أكثر أن تستمر المجازر في غزة وسط هذا الصمت العربي المهين، الذي لا يعبّر عن ضمير الأمة، بل عن أزمة النظام الرسمي العربي.
وتبقى الخلاصة والحقيقة التي يجب أن يدركها العرب جميعا أنظمة حاكمة وشعوب هي حقيقة أن الصراع في فلسطين ليس حدثًا عابرًا، بل عنوان لمعادلة كبرى ترتبط بكرامة الأمة كلها. ومن لا يرى في غزة عنوانًا لوجوده وهويته، لن يراها كذلك في أي لحظة أخرى.
ولذلك يجب أن لا يكون الدعم والمساندة لغزة وللشعب الفلسطيني فقط بالكلمات، بل بالمواقف، والمقاطعة، وبالتحرك الجاد في المحافل الدولية، وبمساندة حقيقية لقوى المقاومة، التي أثبتت أنها الأكثر صدقًا وثباتًا في هذا الزمن المليء بالهزائم الرسمية.
والموقف من فلسطين سيبقى معيارًا لاختبار الشرعية السياسية والكرامة الوطنية. ومن لم يقف مع غزة اليوم، فلن يجد له مكانًا محترمًا في ذاكرة تاريخ الشعوب غدًا.