في كل يوم، ومع كل شروق شمس، تُولد في غزة مأساة جديدة، وتُزهق أرواح بريئة تحت أنقاض البيوت، في ظل قصف لا يميز بين طفل وشيخ، ولا بين حضانة ومدرسة أو مستشفى ومسجد.
لقد تحولت غزة إلى ساحة دم مفتوحة، تُمارس فيها أبشع الجرائم بحق الإنسانية، وسط صمتٍ عربي ودولي مريب، لا يمكن تفسيره إلا على أنه تواطؤ غير معلن أو تجاهل متعمد.
المذابح التي يرتكبها الاحتلال الصهيوني بحق المدنيين العُزَّل في غزة، ليست "أحداثًا أمنية"، بل جرائم حرب ممنهجة، وعمليات إبادة جماعية، تطال البشر والحجر والشجر. ومع كل مجزرة جديدة، نجد أن ما يسمى بـ"المجتمع الدولي" يكتفي ببيانات باردة، لا تلامس حجم الفاجعة، وكأن الدم الفلسطيني لا وزن له في معادلات السياسة والعدالة الدولية.
أكثر ما يدمي القلب، هو خذلان الإخوة قبل الأعداء، فمواقف كثير من الأنظمة العربية والإسلامية لا ترقى حتى لمستوى التضامن اللفظي، وبعضها أصبح يُحمّل الضحية مسؤولية الدماء، بينما يجلس مطبّعوهم على موائد الاحتلال، يعقدون صفقات "السلام" المزعوم، على حساب شعب يُذبح كل يوم!.
ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره»؟
فأين هي هذه الأخوّة من واقع الأمة اليوم؟ أين الواجب الديني، والضمير الإنساني، والمسؤولية الأخلاقية؟ بل أين صوت الشعوب التي كانت بالأمس تملأ الساحات نصرةً لفلسطين، واليوم تغرق في صمتٍ فرضته الأنظمة أو تطبيعٌ طمس الوعي؟
ما يحصل في غزة ليس مجرد كارثة إنسانية، بل هو اختبار تاريخي لأمة بأكملها. فإما أن نكون في صف الحق، أو نكون في صف الصامتين، وهم شركاء القتلة في جرائمهم. قال الإمام النووي: "السكوت عن الظالم مع القدرة على الإنكار نوع من الإعانة، وهو حرام".
فما بالنا بمن يُبرر للظالم، أو يتحالف معه، أو يصف المقاومة بالإرهاب!.
غزة اليوم لا تطلب الشفقة، بل تطلب الموقف. لا تحتاج دموع التعاطف، بل تحتاج وقفات شرف وكرامة تعيد للأمة اعتبارها، وللمظلوم حقه، وتضع حدًّا لسفك الدماء.
العدوان على غزة ليس معركة بين قوتين، بل جريمة تُرتكب ضد شعب محاصر، لا يملك إلا إرادته، وإيمانه، وعزيمته. وإن كنا نعتقد أن تلك الإرادة ستنتصر، فإن العار سيلاحق كل من صمت، وكل من خان، وكل من باع.
غزة لا تموت، بل تُبعث في كل شهيد، وتنهض من تحت الركام بإيمان لا يتزعزع، وشعب لا يعرف الانكسار. وإن كنا نؤمن بوعد الله، فإننا نعلم أن النصر آت، مهما طال الليل، ومهما اشتد القصف فإن قوله تعالى : {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ليس مجرد عزاء للمؤمنين، بل بوصلة للثبات في وجه المحن، ورسالة صريحة أن العزة للمؤمنين، ولو اجتمعت عليهم قوى الأرض. فالإيمان الذي تحمله غزة اليوم في قلوب رجالها ونسائها وأطفالها، هو ما يجعلها الأعلى مقامًا، والأقوى صمودًا، رغم القصف والدمار والحصار.
ولا شك في أن دماء الأطفال التي تسيل في شوارع غزة، ستتحول إلى لعنة تلاحق كل من سكت وخذل، ولن تكون مجرد أرقام تُحصى، بل شهادات دامغة على انحدار الضمير الإنساني في هذا العصر.
ورغم كل ما جرى ويجري ، فإن غزة لا تبكي ضعفها، بل تفتخر بصبرها، وتقاوم بصوتها، وتقف وحدها حين يتخلى الآخرون.
وليعلم العالم أن الشعوب لا تنسى، وأن صوت المظلومين باقٍ، حتى لو حاول الإعلام دفنه، وأن هذا الظلم لن يدوم، وأن كل يدٍ آثمة ستُحاسب، يومًا ما، أمام محكمة التاريخ، وأمام الله، الذي لا يظلم الناس شيئًا.