منذ أن تولّى دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة عام 2016، بدأت تتكشف ملامح وجه جديد لأمريكا، وجه لا يحمل شعارات "حقوق الإنسان" و"الديمقراطية" كما يدّعي، بل يظهر بوضوح انحيازاً فجّاً للمصالح والهيمنة، حتى وإن كان ذلك على حساب دماء الأبرياء.
والحدث الأكثر تجلياً لهذا الوجه القبيح كان موقف ترامب وإدارته من القضية الفلسطينية، وتحديداً مما يحدث في غزة.
ففي الوقت الذي كانت فيه آلة الحرب الإسرائيلية تفتك بالأطفال والنساء في قطاع غزة، لم يكن موقف إدارة ترامب حيادياً أو حتى داعماً للسلام، بل جاء منحازاً بكل وقاحة إلى صف الاحتلال، مدافعاً عن جرائمه، ومشرعناً لها دولياً. اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، لم يكن مجرد قرار سياسي، بل كان ضوءاً أخضر لاستمرار القمع والتهجير والاستيطان والقتل.
لقد شكّلت تلك القرارات تحولاً خطيراً في السياسة الأمريكية، ليس فقط في مضمونها، بل في طريقتها الوقحة والمتعجرفة. لم تكن هناك حسابات دقيقة للمصالح أو التوازنات، بل كان هناك رضوخ كامل لإملاءات اللوبي الصهيوني، حتى أصبح ترامب يُنَفّذ ما تطلبه إسرائيل حرفياً، وكأنه رئيس بالنيابة لحكومة الاحتلال.
أما ما يحدث في غزة اليوم، من إبادة ممنهجة ودمار شامل وحصار خانق، فهو امتداد لحقبة ترامب، وتأكيد على أن السياسة الأمريكية — بوجهها الترامبي — لا ترى في الفلسطيني إنساناً يستحق الحياة، بل ترى فيه "تهديداً أمنياً" يبرر قتله وتجويعه وتشريده.
ترامب لم يكن استثناءً، بل كان مرآة صادقة لما تخفيه أمريكا خلف شعاراتها المزيّفة. كشف الوجه الحقيقي لدولة تدّعي أنها حامية للحرية، بينما ترعى الاحتلال وتدعمه بالسلاح والمال والموقف السياسي.
وبالتالي فإن صمت العالم على جرائم غزة، وصوت أمريكا العالي في تأييد الجلاد، يؤكدان أن القيم لا مكان لها في سياسات المصالح. وأن من ينظر إلى أمريكا بعيون ترامب، سيرى الحقيقة مجرّدة من الزيف: دولة تبرر الإبادة إذا كانت تخدم استراتيجيتها، ولو كان الثمن حياة آلاف الأبرياء.