إذا أردت أن ترى أمريكا على حقيقتها، فانظر إلى ترامب... ذاك هو الوجه الحقيقي بلا أقنعة. ليس هذا مجرد تعبير تحليلي أو هجاء سياسي، بل كشف لوجه الإمبراطورية التي طالما تغنت بالديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما في الواقع تمارس الغطرسة، والهيمنة، والتمييز العنصري بلا مواربة أو رحمة.
ترامب هو المرايا التي تعكس أمريكا من دون رتوش، الوجه الذي لطالما حاولت الإدارة الأمريكية إخفاءه خلف ستار الدبلوماسية والكلام المعسول.
لطالما حاولت الولايات المتحدة الأمريكية تصدير نفسها إلى العالم على أنها واحة الحرية، وراعية الديمقراطية، والمدافع الأول عن حقوق الإنسان. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قامت ماكينتها الإعلامية الضخمة بترسيخ هذه الصورة في الأذهان، مستخدمة أدوات القوة الناعمة، من هوليوود إلى الجامعات والمؤسسات الدولية، مرورًا بوسائل الإعلام الكبرى. لكن تلك الصورة كانت دومًا زائفة، تخفي وراءها حقيقتها الاستعمارية والعنصرية التي لا تعترف بحقوق الآخر إلا إن خضع وأذعن.
وجاء دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، ليكشف المستور، لا لأنه ارتكب شيئًا جديدًا، بل لأنه أزاح الغطاء عن الخطاب المزيف، وقدم أمريكا كما هي: متعجرفة، عنصرية، استعمارية، ومهتمة فقط بمصالحها الاقتصادية والعسكرية، ولو على حساب الشعوب والدول المستضعفة. في عهد ترامب، لم تعد أمريكا تكترث كثيرًا لتجميل خطابها. لم يتحدث عن "نشر الديمقراطية" في الشرق الأوسط، بل قال صراحة إنهم يريدون "النفط"، وإن السعودية "بقرتهم الحلوب"، وإن دعم "إسرائيل" مطلق وغير مشروط. تحدّث علنًا عن منع المسلمين من دخول بلاده، وأثار الكراهية ضد المهاجرين، ورفض إدانة جماعات تفوق العرق الأبيض، بل أحيانًا كان يتغزّل بها، في واحدة من أكثر اللحظات السياسية صفاقة وصراحة في تاريخ السياسة الأمريكية المعاصر.
هذا السلوك لا يمكن اعتباره انحرافًا عن النموذج الأمريكي، بل عودة إلى أصله. فهذه هي أمريكا التي دعمت الانقلابات الدموية في أمريكا اللاتينية، وموّلت الأنظمة الديكتاتورية في الشرق الأوسط، وفرضت الحصار على شعوب بأكملها لأنها ترفض الهيمنة، ووقفت دومًا إلى جانب الاحتلال الصهيوني على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة.
وحين قال ترامب إن القوات الأمريكية لن تغادر سوريا لأنها هناك من أجل "السيطرة على النفط"، لم يكن يبتدع سياسة جديدة، بل يقول الحقيقة التي حاول الرؤساء السابقون إخفاءها خلف شعارات "محاربة الإرهاب" و"تحقيق الاستقرار". وعندما ابتزّ دول الخليج علنًا، لم يكن يبتكر طريقة جديدة، بل كان يعكس حقيقة العلاقة الأمريكية مع تلك الأنظمة: الحماية مقابل المال، الدعم مقابل الخضوع، أما السيادة فهي مجرد وهم يتحدث عنه الإعلام فقط.
وما كشفه عهد ترامب أيضًا هو عمق الأزمة القيمية داخل المجتمع الأمريكي نفسه. ملايين الأمريكيين صوتوا له، لا على الرغم من خطابه العنصري، بل بسببه. وجدوا فيه من يمثّل غضبهم من المهاجرين، ومن الأقليات، ومن العالم الذي لم يعد يخضع كما كان. ترامب لم يأت من فراغ، بل هو نتاج مجتمع يعاني من عنصرية متجذرة، وخوف من فقدان الامتيازات، ورغبة في استعادة "أمريكا العظمى" على حساب الآخرين. لذلك فإن من يرى أن المشكلة في ترامب فقط، يغفل عن حقيقة أن ما يمثله يتجاوز شخصه إلى عمق البنية السياسية والاجتماعية الأمريكية.
رحيل ترامب في دورة سابقة لم يكن نهاية لهذا الخطاب، بل بداية مرحلة جديدة من تغليفه. جاءت إدارة بايدن بشعارات "عودة القيم الأمريكية"، لكنها لم تُنهِ العقوبات الجائرة على الشعوب، ولم تُوقف الدعم المطلق للاحتلال الإسرائيلي، بل واصلت نفس المسار، ولكن بلغة أكثر نعومة. في ذلك العهد، شاهدنا إدارة تبرر المجازر في غزة، وتمنع وقف إطلاق النار في مجلس الأمن، وتُسلح "إسرائيل" بكل ما تحتاجه لإبادة شعب بأكمله، بينما تتحدث عن "حق الدفاع عن النفس".
ما الفرق إذًا؟ ترامب هو الوجه الحقيقي لأمريكا بلا مكياج... أما من بعده، فارتدوا القناع ذاته الذي مزّقه ترامب ذات يوم.
من أراد أن يعرف أمريكا كما هي، لا كما تُقدَّم في الإعلام، فعليه أن ينظر إلى عهد ترامب. ففي ذلك العهد، سقطت الأقنعة، وتجلت الصورة الحقيقية. لم يتغير شيء في السياسات، لكن تغير الخطاب: أصبح أكثر صراحة، أكثر وقاحة، وأكثر انكشافًا. ترامب لم يكن انحرافًا عن المسار الأمريكي، بل كان لحظة صدق نادرة مع الذات. وجه ترامب هو الوجه الأمريكي حين تنتهي الحاجة إلى التجميل، وحين تعتقد الإمبراطورية أنها لم تعد مضطرة لشرح شيء لأي أحد.
فلا تنخدعوا بالشعارات، ولا تغتروا بالدبلوماسية. أمريكا التي قتلت الشعوب، ونهبت الثروات، وزرعت الفتن، وساندت الاحتلال، هي ذاتها أمريكا التي اختارت ترامب رئيسًا، واحتضنت خطابه، وواصلت السير على ذات الطريق. لقد مزق ترامب القناع، فظهر الوجه الذي كان دومًا خلف ستار الكلمات الرنانة: وجهٌ استعماريّ، لا يرى في الآخر إلا وسيلة لمزيد من الهيمنة والسيطرة، ولا يعرف للعدالة معنى إلا بما يخدم مصلحة واشنطن.