في العدد السابق وفي هذه الزاوية الصحفية تحدثنا عن ادمان العرب للخيبات والخسائر وتعودهم الانبطاح والخذلان وكيف تمكن الأعداء من السيطرة على بلدانهم بطرق أو بأخرى في قرارها السياسي أو غير ذلك.
وهنا وفي هذا العدد نواصل الحديث في ذات الشأن بتفصيل مختلف وعلى نحو أوسع كون التاريخ العربي وسجل الأحداث التي مر بها العرب وما يزال مليئا بالنكسات والهزائم والهوان والارتهان ، فقد ضمن الأعداء منذ زمن بعيد ومن خلال العديد من الخطوات والمخططات أن لا اجتماع للعرب ولا توافق وضمنوا استخدام العرب وضرب بعضهم ببعض ، وضمنوا السيطرة على الموارد والثروات ، وضمنوا التحكم بالسياسة والقرارات ، وضمنوا منعهم من الزراعة والصناعات ، وضمنوا اعتماد العرب على الواردات واتكالهم على المنظمات فلا منجزات ولا انتصارات ولا وحدة ولا قدرات ولا ردع ولا تحذيرات ولا مواقف مشرفة .
إلى جانب أن ارتهان العرب للغرب في قرارهم السياسي وأموالهم ومقدراتهم ارتهنوا حتى في مواقفهم العدائية لأي طرف كان بما يتناسب مع رغبات واشنطن وغيرها. ولنا في الموقف العربي الرسمي في أغلب الدول العربية من فصائل المقاومة الفلسطنية حتى في الفترات التي سبقت معركة الطوفان ما يمكن أن نقف عنده ولا غرابة على أية حال فقد كان لإعلان الرياض وأبو ظبي على سبيل المثال إدراج حركة المقاومة الإسلامية حماس على قوائم الإرهاب تأكيداً لحقيقة الارتباط المباشر مع ما تريده الإدارات الأمريكية المتعاقبة ونزولاً عند رغباتهم يستمر التحريض الإعلامي وتحشيد بعض الأنظمة العربية الساقطة على حماس وكل ما له علاقة بفكرة مقاومة المحتل ومحاولة خلق وعي عربي معاد لقوى التحرر في فلسطين وغيرها رغم فشل معظم تلك الجهود على الأقل فيما يتعلق بالمزاج الشعبي العربي الواضح والذي يدعم بالكلية حقوق الشعب الفلسطيني وفكرة مقارعة الغزاة وإدراك خطرهم باستثناء بعض الأوساط الشعبية في بعض الدول المنخرطة في التطبيع مع الكيان الصهيوني لكنها تظل ممقوتة في كل الأحوال.
وتجسيداً لصورة أخرى من صور هوان وارتهان العرب حوربت دول عربية في المنطقة لها مواقف واضحة تجاه قضايا الأمة المصيرية وسخرت دولاً عربية كل الإمكانات لمحاربتها خدمة لذات المشاريع الاحتلالية لأعداء الأمة كافة رغم الخطر الذي لن يستثني حتى ذات الدول المنخرطة في التآمر فيما لو تمكن الأعداء أكثر فأكثر في هذه المنطقة.
وفي بلدان عربية مضطربة لا ينفك أطراف الصراع فيها عن البحث عما يقربها من القوى المعادية اعتقادا منها بأن ذلك ما سيرجح كفتها في هذه الصراعات والحروب على الرغم من أن تلك القوى هي من تشغل وتغذي هذه الأزمات في تلك الدول التي تراوح بعيدا عن أي أفق للحلول أو الحسم لتبقى طويلا في دائرة العنف بما يتوافق ومصالح واشنطن والقوى المعادية التي تقوم أساساً على استمرارية الفوضى والاقتتال بين أبناء البلد الواحد في الدول العربية والإقليمية المستهدفة.
ومع تكرار التجارب هنا وهناك لم تستوعب دول عربية أسهمت في إسقاط بلدان وأنظمة عربية وإسلامية في أيدي الغزاة العبر والدروس وعلى العكس من ذلك ودون أي خيارات أو قرار تستمر في ذات النهج التآمري والإسهام في استهداف وتدمير بلدان جديدة مسخرة كل مقوماتها المادية والجغرافية لذلك بحسب ما يحدده الأعداء.
وتبرز أهمية الإشارة هنا إلى أن ثورات الربيع العربي والانتفاضة الشعبية ضد عدد من أنظمة الفساد أعقبها توغل كبير للمشاريع التآمرية استغلالا لحالة عدم الاستقرار وغياب النجاح الكلي لبعض هذه الثورات وإغراق هذه البلدان في مستنقع من الصراعات متعددة الأطراف والولاءات وتنمية العنف والحفاظ على ديمومته لضمان نجاح مشاريعهم المدمرة واستمرار استهداف المنطقة والأمة.
وإذا كانت في العقود الماضية برزت للواجهة تيارات اليسار والقومية العربية كحاملة لهّم الأمة وقضاياها ومتزعمة للخطاب التحرري إلا أن هذه التيارات سرعان ما تبعثرت وتبخر خطابها ودخلت في دوامة من الصراعات التنظيمية الداخلية وتراجع الالتفاف الشعبي العربي حولها بمجرد أفول بعض نجوم هذه التوجهات الفكرية والسياسية وتحول مشروعهم لاحقاً إلى مجرد حزمة من الشعارات المستهلكة والخطب الرنانة ليصبحوا فيما تلا ذلك نسياً منسيا وقد يكون غياب المشروع الجهادي الحقيقي من فكر وتوجه هؤلاء هو السبب وراء السقوط السريع للدور الريادي لهذه التيارات ، ووفقا لقناعتي الشخصية فإن بروز وسيطرة تيارات إسلامية محافظة على المشهد العربي والإسلامي قد يؤدي إلى مردودات إيجابية أكبر وأهم من تلك التي أتت بها التيارات القومية واليسارية مهما بلغت الخلافات والتباينات بين التيارات العربية والإسلامية المحافظة ذاتها وبصرف النظر عن بعض التعقيدات كذلك التي تواجه هؤلاء.
أحداث العقد الأخير في المنطقة وإلى اليوم سيما معركة الطوفان هي الأكثر نسفاً للشعارات الخرقاء التي لطالما صدعت رؤوسنا بها تيارات اليسار والقومجيون العرب الذين تخلوا تماما عن ما كانوا يدعون الأمة إليه طيلة عقود خلت من ضرورة توحيد جهود الأمة في مواجهة الأعداء وتحرير الأراضي المحتلة وإحياء المقاومة والكفاح المسلح فتبخر كل شيء بل إن بعض رموز وأحزاب تنتمي لهذه التوجهات انخرطت رسميا في أعمال ومواقف تخاذلية وتماهت تماما مع توجهات دول عربية آثرت التطبيع الكامل مع الكيان الصهيوني ليسقط القناع عن الجميع.
وللأسف الشديد يستمر العرب قيد الارتهان لرغبات أعدائهم حتى إشعار آخر أو إلى أن يأذن الله بالفتح والنصر للبقية الباقية من عباده على هذه الأرض والمنطقة التي يسعى الأعداء إلى إبقائها مضطربة ومرتعا لمصالحهم وأهوائهم باستخدام معاول هدم من الداخل ممن سقطوا في العمالة منذ زمن بعيد وما النصر إلا من عند الله.