تغيّر شكل الحروب، ولم تعد الأسلحة وحدها ما تُشهر علنًا، بل إنّ هناك ما يُخفى خلف الشاشات، وتغرز خناجرها عبر العيون اللامرئية والأصابع التي تمتد إلى قلب السيادة الوطنية دون أن تُرى.
باتت خيوط الأخطبوط العدائية تمتد من غرف الاستخبارات الصهيوأمريكية إلى داخل المجتمعات العربية والإسلامية، تربط الأشخاص بالأجهزة، والمؤسسات بالمخابرات، وتنسج شبكة واسعة من الاختراقات لا تسعى فقط إلى جمع المعلومات، بل إلى تحطيم الأوطان من الداخل سياسيًا واقتصاديًا وأخلاقيًا وفكريًا.
منذ عقود، عملت أمريكا وإسرائيل وبريطانيا وأعوانهم على بناء نسيج جاسوسي محكم داخل البلدان العربية والإسلامية، بدءًا من شراء الذمم بالمال، إلى زرع العملاء في مواقع حساسة، وربطهم بسفارات وقنوات دبلوماسية ظاهرها الدعم والعون، وباطنها تنسيق استخباراتي مباشر. وقد تم تجنيد شخصيات فاعلة داخل مجتمعاتنا وربطها بأجهزة الموساد والمخابرات الأمريكية لتنفيذ أعمال تجسس ممنهجة وطويلة الأمد.
وبرغم امتلاك الولايات المتحدة وإسرائيل لأنواع متعددة ومتطورة من الطائرات التجسسية، التي لا تكاد تغيب عن أجواء بلداننا، إلا أن خطرها يظل أقل تأثيرًا من أولئك الجواسيس الذين يتسلّلون إلى مجتمعاتنا، ويتخفّون بهيئة مواطنين، فيتغلغلون ويعملون في مجالات ظاهرة وخفية، ويتنقّلون بين مؤسساتنا، يتحدّثون بلساننا، ويزرعون أعين الموساد والسي آي إيه في مناطقنا.
وعلى سبيل المثال في وطننا اليمني، بعد ثورة 21 سبتمبر، انكشفت عشرات الشبكات التي كانت تعمل لصالح المخابرات الأجنبية وتنفذ أجندات معادية، أسهمت في انهيار الاقتصاد وزعزعة الأمن والاستقرار. وتم القبض على الكثير من العملاء ممن خدموا العدو سنوات طويلة وظلوا يعبثون بأمن البلد من خلف الستار.
في لبنان أيضا ومع بدء العدوان الإسرائيلي، تكشّفت خلايا نائمة كانت تمدّ العدو بالمعلومات الدقيقة عن المواقع والأفراد، ومثله في فلسطين، حيث يتم دسّ عملاء مدرَّبين أمريكيًا ومزوَّدين بأحدث أدوات المراقبة في منازل المواطنين والمؤسسات، يسجّلون، يتلصصون، ويمهّدون لضربات عسكرية غادرة.
ومؤخرا في إيران، كشفت الحرب الأخيرة عن أكبر شبكة تجسس في المنطقة، ارتبطت بالموساد وربطت الداخل الإيراني بالخارج المعادي.
وخلاصة كل ما تقدم ذكره أن العدو يراهن دائمًا على الانقضاض من داخل الصفوف، لكن إرادة الله والمقاومة، ويقظة الأجهزة الأمنية في الدول الحرة، تفضح هذه المخططات تباعًا. نعم، قد يُغتال قائد، لكن تخلفه أمة من القادة. وقد يُجرح الجسد لكن لا يموت. إيران، اليمن، لبنان، غزة… جميعها أثبتت أن الأمة التي لا تنام، لا تُخترق مهما اشتدت الخيوط وتوسّعت، فإنها تتمزق بفضل الحماية الإلهية والمقاومين الأحرار.
وتبقى الرسالة المهمة للجميع ولكل مواطن في وطننا اليمني أن التصدي لمثل هذه الشبكات التجسسية التي يحاول من خلالها العدو اختراق أوطاننا ليس شأن الأجهزة الأمنية وحدها ، بل إن كل مواطن حر هو خندق منيع، وساتر أمني .. الحذر واجب، والحدس فضيلة، والتبليغ ضرورة وطنية. ويجب ألا نغضّ الطرف عن أي تصرّف مريب، ولا نستهين بوجود غريب. الأمان أمن الجميع، والأوطان تُحمى بعيون أبنائها .. الحرب لم تنتهِ بعد وعلينا أن نكون كما أمرنا ديننا يقظين، غيورين، لا ننكسر ، ولا نُخترق.