أصيل علي البجلي
في غمار الصراع الوجودي الذي تشهده أمتنا اليوم، والذي يتجاوز كونه مجرد صراع عسكري أو اقتصادي ليلامس عمق الهوية والإرادة، تبرز عقيدة "وحدة الساحات" كركيزة فكرية وقوة جيوسياسية محورية لمواجهة مشاريع الاستكبار واستمرار انتصار المشروع القرآني الذي يقوده أنصار الله في اليمن.
ولقد أثبتت تطورات الوقائع والأحداث أن هذه العقيدة ليست مجرد تكتيك طارئ، بل هي نتاج رؤية عميقة، تستمد جذورها من الفهم الأصيل للإسلام كمنهج حياة شامل، وكقوة دافعة للتحرر والاستقلال في وجه الاستكبار العالمي. إنها تجلٍ للإيمان يتحول إلى قوة جيوسياسية عظمى، قادرة على قلب الموازين في مشهد إقليمي ودولي معقد.
كما إن جوهر "وحدة الساحات" ينطلق من فهم إيماني بليغ مفاده أن الأمة الإسلامية جسد واحد. هذا المفهوم، المستمد من النصوص القرآنية والسنة النبوية، ليس مجرد تصور نظري، بل هو حقيقة واقعية تتطلب التلاحم والترابط بين مكونات الأمة في مواجهة العدو المشترك. فالإيمان بوحدة الخالق، ووحدة الرسالة، ووحدة الهدف (وهو إقامة العدل ورفض الظلم)، يقود بالضرورة إلى وحدة الصف في مواجهة قوى الظلم والعدوان.
لقد كانت قوى الاستكبار، وعلى رأسها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، تراهن دومًا على تجزئة الأمة وتفتيت جبهاتها. وقد سعت بشتى السبل لعزل كل ساحة عن الأخرى: غزة وحدها، لبنان وحدها، اليمن وحدها، وسوريا والعراق وحدهما. وكان الهدف من ذلك هو الاستفراد بكل طرف على حدة، وإنهاكه، وتفريغه من قوة سنده وعمقه الاستراتيجي. لكن هذا الرهان اصطدم بصخرة الوعي الإيماني الذي عمّقته ثقافة القرآن في نفوس المجاهدين. فاليمن، من خلال قيادته الحكيمة وسيده القائد (رضوان الله عليه)، لم ينظر إلى فلسطين كقضية تخص الفلسطينيين وحدهم، ولا إلى العدوان على غزة كحدث إقليمي معزول، بل كجزء لا يتجزأ من صراع أوسع يستهدف الأمة بأسرها.
ويمكن تلخيص أبرز تجليات وأبعاد وحدة الساحات فيما يلي :
- الولاء والبراء: العقيدة الإسلامية تفرض الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والبراء من أعداء الله وأعداء الأمة. وهذا يترجم سياسياً إلى ضرورة دعم الأطراف المظلومة والمقاومة، ورفض التبعية للقوى المستكبرة.
- نصرة المظلوم: هي واجب ديني أخلاقي قبل أن تكون واجبًا سياسيًا. فإذا ما تعرض جزء من الأمة للظلم، فإن باقي الأجزاء يقع عليها واجب النصرة والجهاد بالمال والنفس والكلمة. هذه النصرة ليست خياراً، بل هي فريضة.
- مواجهة المستكبرين: القرآن الكريم يحذر من الركون إلى الظالمين، ويأمر بمواجهة قوى الاستكبار التي تسعى للتحكم في مقدرات الشعوب. وهذه المواجهة لا يمكن أن تكون مجزأة، بل تتطلب توحيد الجهود والطاقات.
وكقوة جيوسياسية، وتحديداً بعد عملية "طوفان الأقصى" المباركة، كشفت تطورات الوقائع والأحداث الأخيرة كيف تحولت هذه العقيدة إلى فعل جيوسياسي ملموس، تجاوز مجرد الدعم المعنوي ليصبح تدخلاً استراتيجيًا يقلب الموازين. ولم يكن الدور اليمني في البحر الأحمر قرارًا سياسيًا محضًا بمعزل عن البعد الإيماني؛ بل هو تجسيد لالتزام ديني تجاه نصرة غزة المحاصرة والمحاربة تجلت أبرز نتائجه في :
- رفض الذل والهوان: استنادا لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ورفض أي شكل من أشكال الوصاية أو التبعية، حتى وإن كلف ذلك مواجهة أعتى القوى العالمية. هذا الرفض هو أساس القوة التي مكنت اليمن من تحدي الهيمنة الأمريكية-البريطانية في أهم الممرات المائية.
- التوكل على الله والثقة بالنصر: الإيمان العميق بأن النصر من عند الله، وأن وعد الله حق، يمنح المقاومين قوة نفسية لا تلين، ويجعلهم يتجاوزون الفروق المادية في موازين القوى. هذا التوكل هو ما يدفع اليمن لخوض معركة غير متكافئة ظاهريًا، ولكنهم يمتلك فيها السند الإلهي والثقة المطلقة بالنصر.
- ترسيخ الهوية الجهادية: "وحدة الساحات" تعزز الهوية الجهادية للأمة، التي تتجاوز القوميات والحدود المصطنعة. ففلسطين ليست قضية عربية فحسب، بل هي قضية إسلامية مركزية، والجهاد في سبيلها هو جهاد في سبيل الله. هذه الهوية هي ما يدفع الشعب اليمني، رغم جراحه وحصاره، للتضحية من أجل إخوانه في غزة.
- تحدي النفاق العالمي: الموقف اليمني، النابع من عمق إيماني، كشف بوضوح نفاق النظام الدولي الذي يدعي حماية الحريات والملاحة، بينما يغض الطرف عن الإبادة الجماعية في غزة ويفرض الحصار على اليمن. هذا الموقف يرسخ الوعي بأن هذه المؤسسات لا تمثل العدالة، بل هي أدوات لقوى الاستكبار.
وبالتالي فإن مصطلح "المحور الممتد" الذي يربط اليمن بإيران وسوريا ولبنان والعراق، هو ترجمة عملية لمفهوم "وحدة الساحات" على أرض الواقع الجيوسياسي وليس تحالفًا عسكريًا تقليديًا قائمًا على المصالح البحتة، بل هو تجسيد لترابط عقائدي وفكري يهدف إلى:
- كسر الحصار الاستراتيجي: حيث يسعى العدو إلى عزل كل طرف من أطراف المقاومة، ولذلك يعمل المحور الممتد على إيجاد قنوات تواصل ودعم لوجستي وسياسي، مما يكسر الحصار ويقلل من فعالية الضغوط وبالتالي فإن العلاقة بين صنعاء وطهران، على سبيل المثال، ليست مجرد تعاون ثنائي، بل هي عمق استراتيجي متبادل يعزز مناعة الطرفين.
- تعزيز الردع الشامل: الإيمان بوحدة المصير يدفع إلى تطوير قدرات ردع متكاملة، بحيث يصبح أي اعتداء على جزء من المحور هو اعتداء على الكل، ما يستدعي ردًا من كل الأطراف. هذا الردع الشامل هو ما جعل قوى الاستكبار تعيد حساباتها قبل أي مغامرة.
- تشكيل قطب جديد في النظام العالمي: هذا المحور، برغم كل التحديات، يطمح إلى أن يكون قطبًا مؤثرًا في نظام عالمي متعدد الأقطاب، مستندًا إلى قوته الذاتية، ووحدة رؤيته، ومبادئه الرافضة للهيمنة والظلم. هذا الهدف ليس سياسيًا بحتًا، بل له أبعاد لاهوتية عميقة تتمثل في السعي لإقامة العدل والقسط في الأرض.
وكخلاصة لما سبق يبقى الوعي الإيماني قوة لا تُقهروعقيدة "وحدة الساحات" هي من تمنح المشروع القرآني اليمني قوته وصلابته في مواجهة الاستكبار العالمي. إنها ليست مجرد خطة عسكرية أو سياسية، بل هي إيمان راسخ بأن النصر حليف المظلومين الصامدين، وأن الله مع الذين آمنوا وجاهدوا في سبيله. هذا الوعي الإيماني، الذي تُعمقه القيادة الحكيمة، هو ما يجعل الشعب اليمني مستعدًا للتضحية، وغير مكترث بالضغوط أو التهديدات.
وفي هذا الوعي الاستراتيجي الذي يرى الصراع كمعركة حق وباطل، وفي هذا الالتزام الإيماني الذي يجعل الأمة جسدًا واحدًا، لا تنفصل أجزاؤه مهما حاولت قوى الشر تفكيكه تكمن مصادر القوة الحقيقية التي لا يمكن هزيمتها، وهي مفتاح النصر المبين الذي نراه يتجلى يومًا بعد يوم في ساحات المقاومة.