عبدالمؤمن محمد جحاف
في خطابٍ مفصلي ، تناول السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي تصعيد العدوان الإسرائيلي الأخير في قطاع غزة، مُسلطًا الضوء على الأبعاد الإنسانية والعسكرية والسياسية للعدوان، مع تحليلٍ لاستراتيجيات المقاومة وموقف الأمة العربية والإسلامية..
جاء الخطاب في سياق تصاعد العدوان الإسرائيلي، الذي خلف آلاف الضحايا، معظمهم من المدنيين، وسط تدمير ممنهج للبنية التحتية والحياة اليومية في القطاع في لحظة مصيرية، يمر فيها واقع الأمة الإسلامية والعربية بتحديات كبرى تتقاطع فيها مؤامرات الأعداء مع خيانات الداخل، في مشهد يفرض على الشعوب الحرة مسؤولية مضاعفة للوعي والحركة الجادة ، وفي هذا السياق كان خطاب السيد القائد تعبيراً صريحاً عن رؤية متكاملة تربط بين مقاومة المشروع الصهيوني- الأمريكي، وحتمية بناء حالة نهضوية شاملة في الأمة.
أولًا: السياق العام للخطاب
جاء الخطاب في ظل تصعيد عسكري إسرائيلي غير مسبوق منذ أكثر من شهر، حيث ركَّز السيد القائد على عدة محاور رئيسية:
- جرائم الحرب الإسرائيلية: وصفها بـ"الإبادة الجماعية"، مستشهدًا بأرقام الضحايا (آلاف الشهداء والجرحى)، واستهداف المدنيين في "مناطق آمنة" مثل قصف خيام النازحين في مدرسة يافا.
استعرض السيد القائد حجم الكارثة الإنسانية الناتجة عن العدوان المتواصل لأكثر من شهرين، مشيرًا إلى استشهاد نحو ألفي فلسطيني وجرح آلاف آخرين، معظمهم من النساء والأطفال. وأبرز السيد القائد في الخطاب تفاصيل مرعبة عن استهداف العدو لخيام النازحين. من اللافت أن السيد القائد لم يكتفِ بسرد الأرقام، بل رسم مشاهد مروعة عمّقت إدراك حجم الكارثة الأخلاقية التي يرتكبها الاحتلال.
- تدمير المنظومة الصحية: أشار السيدالقائد إلى استهداف المستشفيات، ووفاة 40% من مرضى الكلى بسبب نقص الأدوية، مما يعكس سياسة "التجويع والحصار" كأداة ضغط لتهجير الفلسطينيين.
وفي هذا السياق استعرض السيد القائد استمرار الكيان في تدمير المنظومة الصحية، والسعي لإنهاء هذه الخدمة؛ منوهاً عن وفاة 40% من المرضى الذين يعانون من مرض الكلى، يستهدف أي بقايا من الوحدات والمراكز الصحية، كما استهدف بالأمس (مستشفى الدُّرَّة للأطفال)، واستهدف فيه غرفة العناية المركزة، يستهدف المسعفين، يستهدف كل ما يتعلَّق بالخدمة الصحيَّة، من كوادر صحيَّة، مستشفيات... وغير ذلك
- فشل الإنجازات العسكرية الإسرائيلية: انتقد السيد القائد الادعاءات الإسرائيلية بنجاحات ميدانية، كشف زيفها اعترافات مسؤولين إسرائيليين سابقين (مثل غالانت) حول تضليل الرأي العام بصور "أنفاق وهمية".
وفي هذا السياق كشف السيد القائد أساليب الكيان في التضليل والأكاذيب والمسرحيات بقوله "عجز العدو الإسرائيلي عن تحقيق إنجازات عسكرية ملموسة، انكشف أيضاً تضليله، فيما كان يقدمه كإنجازٍ عسكريٍ في اكتشاف الأنفاق وتدميرها، ما يسمى بوزير الدفاع الصهيوني السابق [غالانت] اعترف: أن ما تم نشره في وقتٍ سابق من صور، على أنها لأنفاق في محور رفح، لم يكن سوى خندقٍ عاديٍ بعمق مترٍ واحد، واعترف أن قوات كيانه هي من قامت بتغطية تلك القناة، التي كانت في الأصل قناةً خاصةً بتصريف المياه، فقاموا بتغطيتها بالتراب؛ من أجل تصويرها كفتحة نفق، والزعم أنها لتهريب السلاح، هذه فضيحة، العدو الإسرائيلي يلجأ إلى الأكاذيب، وإلى المسرحيات التي يصوِّر بها إنجازات عسكرية؛ لأنه عاجز عن تحقيق إنجازات عسكرية فعلية.
- صمود المقاومة: أشاد السيد القائد بدور كتائب القسام وسرايا القدس في تنفيذ عمليات نوعية (مثل "كمين كسر السيف")، مؤكدًا أن إسرائيل تتجنب المواجهة المباشرة بسبب خسائرها الجسيمة.
وفي هذا السياق بيَّن السيد القائد العمليات النوعية بقولة "في هـــذا الأسبـــوع: نفَّذت (كتائب القسام) عدداً من العمليات وكمائن الموت، ومنها: (كمين كسر السيف)، الذي نفَّذته كتائب القسام ضد قوات العدو الإسرائيلي، ونتج عنه قتلى وجرحى من الجنود الصهاينة، هذا الكمين نُفِّذ بالقرب من السياج الحدودي، شرق (بلدة بيت حانون) في أقصى شمال قطاع غزَّة، ولهذا مدلول مهم، أن يُنَفَّذ هذا الكمين في تلك البقعة. كذلك نفَّذت (كتائب القسام) عدداً من العمليات في (حي التفاح)، وفي شرق (خان يونس). والمواجهات المباشرة هي محدودة نوعاً ما، كما قلنا: لتهيُّب العدو الإسرائيلي من المواجهة المباشرة"
"كذلك نفذت (سرايا القدس) عدداً من العمليات ضد قوات العدو الإسرائيلي، منها: ما استهدفت به القوات المتوغِّلة في قطاع غزَّة، عبر القصف بالقذاف في شمال غزَّة (في حي التفاح)، وكذلك في جنوبها (في رفح)."
ثانيًا: الأبعاد التحليلية للخطاب
- البعد الإنساني كأداة ضغط سياسي
ركَّز السيد القائد على المعاناة الإنسانية في غزة (التجويع، انهيار الصحة، تهجير قسري) لفضح السياسة الإسرائيلية القائمة على "القوة المفرطة"، ودور الولايات المتحدة في دعمها عبر الجسر الجوي العسكري. هذا البعد يُذكِّر بخطابات المقاومة التاريخية التي تستند إلى الشرعية الأخلاقية في مواجهة القمع.
- تفكيك الرواية الإسرائيلية
عرض السيدالقائد في الخطاب تناقضات الرواية الإسرائيلية، مثل:
- ادعاء تحرير الأسرى: بينما صرَّح وزير مالية إسرائيلي أن "إعادتهم ليست الهدف الأهم"، مما يكشف أولوية التهجير على حياة الإسرائيليين أنفسهم.
- الضم التدريجي للضفة: أشار إلى تصاعد الاستيطان وهدم المنازل في الضفة كدليل على نية إسرائيلية لإنهاء أي أمل بـ"تسوية سياسية".
- المقاومة كخيار استراتيجي
دعا السيد القائد إلى تعزيز خيار المقاومة المسلحة، معتبرًا أن الصمود الفلسطيني (رغم الإمكانيات المحدودة) أثبت فشل الآلة العسكرية الإسرائيلية. كما أشاد بتضامن بعض الجبهات (مثل لبنان واليمن)، منتقدًا تقاعس الأنظمة العربية.
- الرسائل الموجهة داخليًا وخارجيًا
- داخليًا (لفلسطين والمقاومة): التأكيد على أن الصمود يحقق انتصارات معنوية وميدانية، رغم التضحيات.
- عربيًا وإسلاميًا: انتقد "الخنوع الرسمي العربي"، داعيًا الشعوب إلى الضغط على حكوماتها لقطع العلاقات مع إسرائيل.
- عالميًا: استغل الصحوة العالمية المؤيدة لفلسطين (كالاحتجاجات في الغرب) لدحض ادعاءات إسرائيل بـ"الدفاع عن النفس".
ثالثًا: جبهة اليمن ودورها في المعادلة
خصص السيد القائد جزءًا كبيرًا من خطابه لدور اليمن في "معركة الإسناد"(معركة الفتح الموعود والجهاد المقدَّس)، مشيرًا إلى:
- العمليات العسكرية: استهداف سفن إسرائيلية وأمريكية في البحر الأحمر، وإسقاط طائرات مسيرة أمريكية.
- الرسالة السياسية: أن اليمن (رغم الحصار) يقدم نموذجًا للتصدي للعدوان، مقارنةً بتخاذل دول أخرى.
- ردود الفعل الدولية: نقل اعترافات أمريكية وإسرائيلية بـ"فشل" وقف عمليات اليمن، ما يعزز شرعية موقفه.
رابعًا: الخاتمة والدعوة للتحرك
اختتم السيد القائد الخطاب بدعوة الأمة إلى:
- مقاطعة إسرائيل وداعميها اقتصادياً وسياسياً.
- دعم المقاومة ماديًا ومعنويًا.
- الخروج في مليونيات تضامنية (كما في اليمن) لـ"كسر حاجز الخوف" من التبعات الأمريكية.
الخلاصة:
تميز خطاب السيد القائد بدمج التحليل الميداني الدقيق مع الخطاب العاطفي المُوجَّه للرأي العام، مستخدمًا لغةً مباشرةً (مثل: "المجرمون الصهاينة") لتعزيز الرواية المضادة للاحتلال. كما كشف عن رؤية استراتيجية تعتمد على:
- استمرار المقاومة كخيار وحيد في ظل غياب حلول سياسية.
- توظيف المعاناة الإنسانية لفضح جرائم الحرب وإحراج الداعمين الدوليين لإسرائيل.
- تعزيز التضامن الإقليمي عبر نماذج مثل اليمن ولبنان، رغم التحديات.
- يُظهر الخطاب أن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل أيضًا على مستوى الرواية والشرعية الدولية، حيث تسعى المقاومة إلى تحويل التضحيات إلى رافعة سياسية تُجبر العالم على اتخاذ موقفٍ واضحٍ من إسرائيل.