عبدالمؤمن محمد جحاف
في قلب المعركة العالمية بين المستضعفين وقوى الاستكبار، برزت اليمن كرقم صعب يواجه أعتى الطغاة على وجه الأرض، ممثلين في أمريكا وإسرائيل ومن يسير في فلكهم.
ولقد أثبتت تطورات وقائع وأحداث هذه المواجهة أنها ليست مجرد معركة سياسية أو عسكرية، بل معركة صراع مفصلي بين مشروعين هما مشروع الهيمنة ومشروع الحرية، وبين قوى الظلم وأصحاب الحق، وبين من يملكون السلاح المتطور ومن يملكون سلاح الإيمان الراسخ والعميق بالله وبعدالة قضيتهم.
وفي مشهد إقليمي بات فيه واضحا للجميع طغيان مظاهر التبعية والانهيار، برز اليمن اليوم كقوة إقليمية ذات مشروع مستقل متكامل، يستند إلى أسس قرآنية وروح وطنية عالية وبقيادة حامل لواء جهاده في سبيل الله ولواء شرفه وعزه وفخره بين الأمم ، أطلق اليمن العظيم بعظمة شعبه الصامد والمجاهد مشروعه القرآني ليعيد الاعتبار لقيم العدل والسيادة والتحرر، ويؤسس لبناء داخلي متماسك ودور إقليمي فاعل.
وبفضل الله أولا وفضل قائده الحكيم السيد عبدالملك بدرالدين تمكن يمن الإيمان والحكمة والثبات والصمود في ميادين الشموخ والعزة من تحويل الحصار والعدوان المفروض عليه منذ العام 2015م إلى فرصة للنهوض ، ولإعادة رسم الهوية اليمانية الإيمانية والوطنية بعيداً عن الوصاية والتدخلات الخارجية والأجنبية.
قد يتساءل البعض: كيف لليمن، البلد المحاصر والمستهدف منذ سنوات، أن يكون في مقدمة هذه المواجهة المصيرية؟ الجواب يكمن في سرّ رباني ارتبط بهذا الشعب، الذي عُرف عبر التاريخ بصموده الأسطوري في وجه الغزاة. فمنذ القدم، لم تكن اليمن أرضًا تقبل الاحتلال أو ترضخ للهيمنة، بل كانت دائمًا مهدًا للثورات ومصدرًا للإلهام لكل أحرار العالم.
ولذلك ها هو يمن الإيمان والحكمة ، يمن أنصار الله يخوض اليوم من جديد ملحمة الصمود في وجه الطغيان والعدوان الأمريكي الصهيوني، ومع تصاعد المواجهة، تتزايد شعبية أنصار الله ليس فقط في اليمن، بل على مستوى العالم، حيث أصبح الكثيرون ينضرون إليهم بكل فخر واعتزاز كحركة مقاومة تتحدى الإمبراطوريات الظالمة بإمكانيات متواضعة لكنها محملة بعزيمة لا تلين.
ومما لا شك فيه أن هذه الشعبية وهذه المكانة الرفيعة التي أصبح أبناء اليمن الصامد والمجاهد يحضون بها بين الشعوب المختلفة ليست مجرد ظاهرة إعلامية، بل هي انعكاس حقيقي للواقع الذي بات العالم يشهد فيه تحولات كبرى على طريق الرفض والمقاومة للهيمنة والسير نحو نيل الحرية ، وهو الطريق الذي ستكون نهايته بإذن الله انتصار الشعوب المظلومة والمستضعفة وسقوط أنظمة الهيمنة والاستكبار والاستبداد لا سيما حين تواجه شعوبًا مستعدة للتضحية في ميادين الإعلاء لكلمة الله ومنها شعبنا اليمني العظيم .
وها هو يمن الثبات والصمود والشجاعة والبأس الشديد يثبت للعالم أن القوة ليست فقط في العتاد، بل في العقيدة، وأن الطغاة مهما امتلكوا من وسائل البطش والتدمير، فإن سقوطهم قد يكون أسرع مما يتوقعه الجميع.
إنها معركة بحجم التاريخ، حيث تتجلى سنن الله في أن الظلم إلى زوال، وأن النصر قد يأتي من حيث لا يحتسب الطغاة وهذا هو السر المكنون لليمن العظيم الذي جعل ما يعتبره البعض مستحيلاً في الحسابات السياسية والعسكرية، يصبح ممكنًا لا سيما حين يدخل الإيمان والإرادة في المعادلة.
وفي موازاة هذا الصراع مع قوى الهيمنة، تتابع القيادة اليمنية، بجدية وفاعلية ما يرتكبه العدو الصهيوني من مجازر إبادة جماعية في غزة ورفح والضفة الغربية، حيث يُباد المدنيون بلا هوادة في ظل صمت دولي مريب وتواطؤ أمريكي مباشر. أمام هذه الجرائم، يتخذ اليمن موقفاً لا لبس فيه: الوقوف الكامل إلى جانب الشعب الفلسطيني، وتكثيف كل أشكال الدعم الشعبي والعسكري والعملياتي، في رسالة واضحة مفادها أن فلسطين ليست وحدها، وأن الأمة ما زال فيها من يحمل السلاح والموقف معاً.
وبحسب الصحة في غزة، فإن حصيلة الشهداء والإصابات منذ 18 مارس 2025 بلغت (1,391 شهيداً، و3,434 إصابة) إضافة إلى ارتفاع حصيلة العدوان الإسرائيلي إلى 50,752 شهيداً، و115,475 إصابة، منذ السابع من أكتوبر 2023م .. كل ذلك وسط صمت دولي مطبق وتورط ودعم أمريكي واضح لكيان الاحتلال الصهيوني المجرم .
ورغم هذه المأساة، ستبقى غزة عنوان الصمود والثبات والصبر والتحدي، وستسجل كتب التاريخ أن تلك المدينة الصغيرة واجهت أكبر وأوسع وأطول وأعنف هجوم عدواني صهيوني أمريكي شامل، وأبشع حرب إبادة وحصار خانق في تاريخ البشرية.
وفي ذات السياق إن من أبرز تجليات مكانة اليمن العظيم هو موقفه الثابت والفاعل تجاه القضية الفلسطينية، حيث يقف إلى جانب شعبها المظلوم ومجاهديها الأبطال في غزة، ليس فقط عبر التصريحات والمواقف الرمزية، بل من خلال دعم فعلي يتجلى في العمليات البحرية التي تستهدف العدو الأمريكي والإسرائيلي ومصالحهما، في موقف هو الأوضح والأشجع في الوطن العربي والإسلامي اليوم.
لم تكن نصرة فلسطين لدى اليمن محكومة بحسابات المصالح أو توازنات السياسة، بل انطلقت من وعي إيماني ووطني يرى في فلسطين قضية مركزية لا تقبل التجزئة أو التفاوض. وقد حوّل اليمن هذا الإيمان إلى فعل مقاوم أثبت حضوره على الأرض، ليؤكد أن زمن المتفرجين قد ولّى، وأن اليمن حاضرٌ في معركة الأمة الكبرى حتى الانتصار الكامل وزوال الكيان الصهيوني الغاصب.
هكذا يبدو اليمن اليوم، بلداً صاعداً بثقة، مستنداً إلى مشروعه القرآني، وقيادته الحكيمة، وشعبه الصامد، وجيشه الباسل .. إنه اليمن الكبير الذي لم يكتفِ بالصمود، بل بات عنواناً للكرامة والسيادة والتحرر، ومدرسة في الانتصار للإرادة العربية والإسلامية الحرة وللقضايا العادلة وفي مقدمتها قضية فلسطين .
فيقف اليمن في طليعة دول المقاومة، ممتلكاً قراره، وواثقاً بشعبه، ومتماسكاً بمشروعه، وراسخاً في مواقفه. ومن فلسطين إلى البحر الأحمر، تتقاطع المعركة ضد الاستكبار الأمريكي والصهيوني، وتتشكل ملامح نصر قادم تصنعه الإرادات الحرة.