شاهر أحمد عمير
منذ اللحظة الأولى لانطلاق "طوفان الأقصى"، كانت الحسابات الإقليمية والدولية واضحة: حصار المقاومة، فرض إملاءات عليها، وإجبارها على التراجع تحت وطأة الضغوط العسكرية والسياسية..
جاء تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في هذا السياق، حيث توعد المقاومة الفلسطينية بـ"الجحيم" إذا لم يتم الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين خلال مهلة حددها بنفسه، في محاولة لإخضاعها وإثبات أن واشنطن قادرة على فرض شروطها. إلا أن ما حدث بعد ذلك أثبت أن المقاومة لم تعد رقماً هامشيًا يمكن تجاوزه، بل قوة فاعلة أعادت تشكيل المشهد السياسي، ليس فقط في فلسطين، بل على مستوى المنطقة بأسرها.
لم تتعامل حماس مع هذه التهديدات بردود فعل انفعالية، بل أدارت المعركة بذكاء استراتيجي، متسلحة بثبات موقفها وتماسك جبهتها الداخلية، ما جعل الاحتلال وحلفاءه في مأزق حقيقي. كان من الواضح أن المقاومة تدرك أن الهدف من هذه الضغوط ليس مجرد إطلاق سراح أسرى الاحتلال، بل كسر إرادتها وإجبارها على تقديم تنازلات سياسية وأمنية تمهد لفرض تسوية تُجهز على القضية الفلسطينية. غير أن ما جرى على الأرض عكس مسارًا مغايرًا تمامًا لما كان يُخطط له، حيث فرضت المقاومة نفسها طرفًا لا يمكن تجاوزه، وأدارت معركة التفاوض من موقع القوة، مما أدى في النهاية إلى تحرير الأسرى الفلسطينيين من بين أنياب الاحتلال، دون أن تقدم أي تنازل يضر بموقفها أو بمشروعها المقاوم.
هذا الإنجاز لم يكن مجرد انتصار سياسي، بل كان أيضًا انتصارًا أخلاقيًا في مواجهة منظومة لا تعترف إلا بمنطق القوة والهيمنة. في الوقت الذي مارست فيه إسرائيل أبشع أشكال البطش والتنكيل بحق المدنيين الفلسطينيين، نجحت المقاومة في تأكيد أن معركتها ليست مجرد صراع عسكري، بل هي معركة لتحرير الإنسان الفلسطيني وحماية حقوقه. هذه المفارقة كشفت زيف الخطاب الغربي الذي يتغنى بـ"حقوق الإنسان" بينما يغض الطرف عن الجرائم الإسرائيلية، كما أكدت أن المقاومة ليست مجرد رد فعل على العدوان، بل مشروع تحرري قائم على مبادئ وقيم، وهو ما جعلها تحظى بدعم شعبي واسع في فلسطين وخارجها.
في المقابل، أظهرت هذه المعركة حجم الخسائر التي لحقت بمشروع التطبيع العربي-الصهيوني-الأمريكي. لقد كانت بعض الأنظمة تراهن على أن المقاومة في أضعف حالاتها، وأن التطبيع سيفرض واقعًا جديدًا يجعل الاحتلال جزءًا من المنطقة دون أي عوائق. لكن ما حدث كان العكس تمامًا، إذ جاءت هذه المواجهة لتعيد ترتيب الأولويات، وتؤكد أن فلسطين لا تزال قضية مركزية، وأن كل محاولات تزييف الواقع لم تنجح في محو حقيقة أن الاحتلال هو العدو الأول لشعوب المنطقة.
هذا التحول لم يقتصر على المستوى الشعبي، بل امتد ليهز حسابات القوى الكبرى التي أدركت أن سياساتها المبنية على دعم الاحتلال دون قيد أو شرط لم تعد كفيلة بحسم المعركة لصالحه. واشنطن، التي كانت تسعى لفرض إملاءاتها عبر التهديدات والضغوط، وجدت نفسها أمام واقع مختلف، حيث أثبتت المقاومة أنها قادرة على فرض معادلات جديدة وإجبار خصومها على التراجع. وهنا، لم تكن الهزيمة مقتصرة على الاحتلال وحده، بل شملت أيضًا كل من راهن على سقوط المقاومة وانهيار مشروعها، سواء من داخل المنطقة أو خارجها.
ما جرى خلال هذه المعركة يؤكد أن المقاومة لم تعد في موقف دفاعي، بل أصبحت طرفًا قادرًا على المبادرة، وإعادة رسم التوازنات بما يخدم القضية الفلسطينية. لم يكن ما تحقق مجرد نصر عابر، بل كان محطة مفصلية في مسار الصراع، أثبتت فيها المقاومة أن قوة الإرادة والإيمان بالحق يمكن أن تهزم أقوى المنظومات العسكرية والسياسية. في النهاية، كانت هذه الجولة أكثر من مجرد مواجهة عسكرية؛ كانت معركة وعي، سقطت فيها أوهام التسوية والتطبيع، وانهارت معها رهانات من ظنوا أن المقاومة ستنحني أمام التهديدات.