في كل عام، يقف اليمنيون أمام ذكرى واحدة لا تشبه أي ذكرى، إنها الذكرى السنوية للشهيد وهي ليست مجرد فعالية نضع فيها الصور ونلقي الخطب، بل هي محطة لقياس نبض هذه الأمة،
وهل ما زال قلبها ينبض بالعزة أم لا، وهذا العام، تأتي الذكرى 1448هـ بطعم مختلف، بزخم مختلف، بمعنى مختلف، فاليمن الذي حاصروه 12 عاماً، وجوعوه، وقصفوه، لم ينكسر، بل خرج من تحت الركام ليقدم قوافل جديدة من الشهداء، لا على حدوده فقط، بل في عرض البحر، وفي عمق معركة الأمة الكبرى معركة غزة وفلسطين.
حين نطوف في المحافظات والمديريات، ونرى معارض صور الشهداء في كل حي، وزيارات الأسر التي قدمت فلذات أكبادها ندرك أننا أمام شعب لا يتعامل مع الشهادة كحالة حزن، بل كثقافة حياة، فالشهادة عندنا ليست موتاً، بل هي المعنى الحقيقي للحياة وما دونها هو الذلة والهوان والتبعية، كما نرى اليوم حال الأنظمة العربية العميلة التي رهنت شعوبها للأمريكي والإسرائيلي خوفاً من الموت، فماتت وهي حية.
هذه الدماء هي التي حولت الحصار إلى حصار مضاد، والتصعيد إلى تصعيد مضاد، وفرضت معادلة "الحصار بالحصار" التي أرعبت السعودي والأمريكي معاً، والأهم من كل ذلك، أن تضحيات اليمنيين لم تبق حبيسة الجغرافيا اليمنية، فاليمن هو البلد الوحيد الذي قال إن فلسطين قضيته الأولى، وبرهن على ذلك بالدم.
في معركة "الفتح الموعود والجهاد المقدس"، اختلطت دماء اليمنيين بدماء أهل غزة. قدمنا شهداءنا إسناداً لغزة، في وقت تخلى فيه القريب والبعيد وقدمنا قادتنا، وجنودنا، ورجالنا، وقلنا للعالم إن 12 عاماً من الحصار لم ولن تثنينا عن واجبنا الديني والأخلاقي، وهنا يكمن سر قدسية الشهيد عند اليمني، فالشهيد ليس رقماً في كشف، بل هو الضمانة التي حفظت للوطن عزته واستقلاله وهو مشعل النور في ليل الأمة حالك السواد، ولولا دماؤه لما نعم اليمني اليوم بالأمن والعزة والكرامة التي يفتقدها غيره.
إن ثقافة الجهاد والاستشهاد التي رسخها شهداؤنا هي الحل الأمثل والسلاح الأقوى لمواجهة كل أساليب الترهيب والترغيب، فالأمة التي تخاف الجهاد تعيش الذل، والأمة التي تعشق الشهادة تعيش العزة، وصحيح أننا نزور أسر الشهداء ونقدم لهم هدية رمزية، لكننا ندرك أن هذا لا يساوي شيئاً أمام ما قدموه، فأهل الجود الحقيقيون هم هؤلاء، أهل العطاء الحقيقيون هم من جادوا بفلذات أكبادهم.
الذكرى السنوية للشهيد ليست فعالية سنوية تنتهي بانتهاء المعرض، بل إنها ميثاق، ومسؤولية، وتجديد عهد، والعهد أن نبقى أوفياء للدرب الذي مضوا فيه والوصية التي تركوها لنا أن نواصل حملها في كل الميادين، في الجبهة، في الإدارة، في البناء، في التنمية، فدماء الشهداء هي البوصلة، ومن صمود 12 عاماً إلى موقفنا اليوم في البحر الأحمر نصرة لغزة أثبت اليمنيون أن هذه الدماء حررت إرادتنا من كل قيود التبعية.
ستبقى دماء الشهداء أنواراً تضيء دروب النصر والتحرير الكامل لكل تراب الوطن، وسيبقى اليمن بفضلهم الرقم الصعب الذي لا يكسر، والصخرة الصلبة التي تحطمت عليها كل مشاريع التآمر والخيانة.