نموذج العمل التنموي المتكامل: الجمعيات التعاونية متعددة الأغراض (الحلقة التاسعة)

نموذج العمل التنموي المتكامل: الجمعيات التعاونية متعددة الأغراض (الحلقة التاسعة)

الزيارات: 20

في الحلقات السابقة، تحدثنا عن مبادئ العمل التنموي، وهي: التنمية القائمة على هدي الله، والمشاركة المجتمعية الواسعة. كما تناولنا سياسات العمل التنموي الست، وهي: التنمية المستدامة، والأولويات الوطنية، وخفض فاتورة الاستيراد، وسلاسل القيمة، والاقتصاد المجتمعي والمقاوم، والهجرة العكسية والهجرة الإيجابية.

وفي هذه الحلقة، سنتحدث عن أبعاد العمل التنموي الثلاثة، وهي: البعد المجتمعي ، والبعد التنظيمي، والبعد الاقتصادي. ولكل بُعد مبادئ وقواعد وأسس يقوم عليها، ولا يمكن أن ينجح العمل التنموي ما لم يُنفَّذ وفق هذه الرؤية المتكاملة. فلا يمكن الانتقال إلى البعدين التنظيمي والاقتصادي ما لم يكن البعد الاجتماعي قائمًا؛ فهو الأساس الذي يستند إليه البعدان الآخران، وهو الذي يقود مسيرة التنمية.

أولًا: البعد المجتمعي الأساس الذي تنطلق منه التنمية
سنبدأ بالبعد المجتمعي، والذي تُعد الجمعيات التعاونية متعددة الأغراض من أهم مكوناته، وقد جرى تشكيل أكثر من 180 جمعية في 180 مديرية، بهدف إيجاد جمعية في كل مديرية تقود العمل التنموي، وتعمل في المجالات الزراعية والتنموية والخدمية والحرفية والصناعية، وتسهم في تنفيذ المشاريع الخدمية وتلبية احتياجات المجتمع.
وقبل تأسيس الجمعية، لا بد من إطلاق حملة توعوية بالمشروع التنموي النهضوي، تستهدف إيجاد أفراد يستعينون بالله ويثقون به، ويتطلعون إلى التغيير نحو الأفضل، ويحملون روح القيادة، ويتصفون بالإخلاص والإحسان والمبادرة، ويمتلكون رؤية طموحة وواسعة الإدراك، ويحرصون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن بين هؤلاء تبرز فئتان أساسيتان في العمل التنموي: فرسان التنمية من طلاب المجتمع وشبابه، ورائدات التنمية من الفتيات المحسنات. ويجري اختيار فرسان التنمية من قِبل مدير المديرية، ليكونوا نواةً لإعداد القادة التنمويين والمهاجرين التنمويين والممارسين التنمويين، الذين يحملون مسؤولية المشروع التنموي ويسهمون في تحقيق أهدافه.
ويتميز هؤلاء بروح الإحسان والمبادرة، والاستعداد للتحرك الإيماني وفق الرؤية القرآنية، والسعي إلى نشر وتعميم التنمية القائمة على هدي الله، وتعزيز المشاركة المجتمعية الواسعة، وتفعيل دور المجتمع في تنفيذ المبادرات والمشاريع التنموية، إلى جانب توعيته بأهمية المبادرات المجتمعية والجمعيات التعاونية متعددة الأغراض.

ثانيًا: الجمعية التعاونية.. قطار التنمية في المديرية
عندما يصبح المجتمع ناضجًا، وتتوافر لديه الرغبة والاستعداد لتنظيم نفسه في جمعية تعاونية متعددة الأغراض، تبرز أهمية هذه الجمعية بوصفها إطارًا مؤسسيًا لتحريك المجتمع نحو المشاركة في تحقيق الاكتفاء الذاتي، وتنمية موارده، وتقديم الخدمات العامة.
وتكتسب الجمعية أهميتها من كونها قطار التنمية في المديرية، وحلقة الوصل بين المزارعين والحكومة والقطاع الخاص، فضلًا عن دورها في تعزيز التنسيق بين المزارعين أنفسهم على مستوى المديرية، وربطهم بالجمعيات الأخرى عبر الاتحاد التعاوني الزراعي وفروعه في المحافظات.
كما تسهم الجمعية في تسهيل وصول الإرشادات الزراعية إلى المزارعين، وتنظيم عمليات التسويق، وتفعيل الزراعة التعاقدية بما يساعد على خفض فاتورة الاستيراد وتعزيز الإنتاج المحلي. ويمكنها أيضًا أن تؤدي دورًا في ضمان القروض المقدمة للمستفيدين، وتحفيز المبادرات المجتمعية وتنظيمها والإشراف على تنفيذها.
ولا يقتصر دور الجمعية على الجوانب الزراعية والإنتاجية، وإنما يمتد إلى إدارة الأسواق وتنفيذ مشاريع الخدمات العامة، بما في ذلك الطرق والمياه والتعليم والصحة وغيرها من الخدمات التي يحتاج إليها أبناء المديرية.
وإلى جانب ذلك، يمكن للجمعية أن تسهم في مجالات الاستثمار والتصنيع والتصدير، بما يعزز الاستفادة من الموارد المحلية، ويوفر فرص العمل، ويدعم الاقتصاد المجتمعي. وبهذا تتولى الجمعية مسؤولية تنسيق وإدارة جانب واسع من شؤون التنمية في المديرية، لتصبح بمثابة إطار تنموي متكامل يعمل على تلبية احتياجات المجتمع وتحقيق أولوياته.

ثالثًا: معايير اختيار الهيئة الإدارية للجمعية
من أجل نجاح الجمعيات التعاونية متعددة الأغراض وتمكينها من القيام بدورها، لا بد من اختيار هيئة إدارية تمتلك روح القيادة التنموية، وتتصف بالمبادرة والتعاون والنشاط، وتتمتع بالقدرة على تحمل المسؤولية والعمل لخدمة المجتمع.
ويُفضّل أن يكون أعضاء الهيئة الإدارية متفرغين للعمل في الجمعية، وغير مرتبطين بأعمال أو مناصب أخرى تحول دون قيامهم بمهامهم، مثل إدارة المؤسسات أو العضوية في مجلس النواب أو مجلس الشورى. كما ينبغي أن يكونوا من أبناء المنطقة وسكانها، نظرًا إلى أن العمل في الجمعية عمل تطوعي لا يستهدف الحصول على منصب أو تحقيق مكاسب شخصية، وإنما يقوم على خدمة المجتمع وتحمل المسؤولية تجاهه.
ومن المهم كذلك توسيع قاعدة العضوية لتشمل أكبر عدد ممكن من أبناء المديرية، إذ إن زيادة عدد الأعضاء ومشاركتهم الفاعلة تعزز فرص نجاح الجمعية وقدرتها على تنفيذ مشاريعها وبرامجها التنموية.
ويجب ألا يكون تشكيل الجمعية وسيلة لإرضاء شيخ أو مدير أو أي شخصية اجتماعية، وإنما ينبغي أن يقوم على معايير الكفاءة والمشاركة المجتمعية، مع ضمان تمثيل جميع العُزَل والقرى في عضوية الجمعية والهيئة الإدارية، بما يعزز العدالة في المشاركة وتوزيع المسؤوليات.
كما ينبغي إنشاء جمعيات تنموية على مستوى العُزَل، لتكون امتدادًا للجمعية التعاونية متعددة الأغراض في المديرية، وتسهم في توسيع المشاركة المجتمعية ونقل احتياجات المواطنين ومقترحاتهم، ومتابعة تنفيذ المبادرات والمشاريع التنموية في مناطقهم.

رابعًا: استكمال البناء الإداري والفني للجمعية
يتطلب نجاح الجمعية استكمال هيكلها الإداري وتشكيل وحداتها الفنية، بما يمكّنها من تنفيذ مهامها في المجالات الزراعية والاقتصادية والخدمية. ويُفضّل الاستفادة من خريجي كليات ومعاهد الزراعة والطب البيطري، إلى جانب أصحاب الخبرات والتخصصات ذات الصلة، لتوفير الكوادر المؤهلة القادرة على تقديم الخدمات الفنية والإرشادية، ومتابعة المشاريع، وتطوير الأداء المؤسسي للجمعية.
كما يجب أن يتم تأسيس الجمعية وفقًا للقانون، واستكمال إجراءات تسجيلها لدى مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في المديرية، بما يضمن سلامة وضعها القانوني والتنظيمي، ويمكّنها من ممارسة مهامها في إطار مؤسسي واضح.
إن نجاح الجمعيات التعاونية متعددة الأغراض يبدأ من بناء مجتمع واعٍ ومستعد للمشاركة، واختيار قيادات مخلصة ومبادرة، وتأسيس كيان تعاوني منظم يمتلك القدرات الإدارية والفنية اللازمة. وعندما تتكامل هذه العناصر، تصبح الجمعية أداة فاعلة لتوحيد جهود المجتمع، وتحريك موارده، وتنفيذ أولوياته، والمضي نحو تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.

طباعة