ثمة التباسٌ أخلاقيّ وسياسيّ يتردّد صداه في خطاب التسامح المعاصر، يحوّل فضيلةَ التسامح من درعٍ يحمي المجتمع إلى ثقبٍ في جداره. فالعبارة التي تُختصر بها حكمةُ العيش المشترك — « العيش المشترك لا يعني التعايش مع الخيانة والعمالة، كما أن التسامح لا يعني القبول بالخونة والعملاء » — ليست شعارًا انفعاليًّا،
بل تتضمّن تمييزًا فلسفيًّا دقيقًا بين الاختلاف الذي هو مادةُ العيش المشترك، والخيانة التي هي نقضٌ له من داخله. ولفهم هذا التمييز، لا مناصّ من العودة إلى الفلاسفة الذين صاغوا نظرية التسامح وحدوده، وأبرزهم كارل بوبر في « مفارقة التسامح » التي تكشف أن التسامح المطلق ينتحر بيد المتعصبين.
مفارقة بوبر ؛ حين يصبح التسامح غير المحدود تهديدًا لنفسه
في كتابه « المجتمع المفتوح وأعداؤه » (1945)، صاغ كارل بوبر ما سمّاه « مفارقة التسامح » (The Paradox of Tolerance). والمفارقة، كما يلخّصها، تنصّ على أنه « إذا كان المجتمع متسامحًا دون أي حدّ، فإن قدرته على التسامح سوف تُدمَّر في نهاية المطاف، أو تُنتزَع، من قِبَل غير المتسامحين ». وبصياغة بوبر نفسه: « إذا مددنا التسامح حتى لمن هم غير متسامحين، ولم نكن مستعدين للدفاع عن مجتمع متسامح ضد هجوم المتعصبين، فسيدمَّر المتسامحون، ويسقط معهم التسامح ». ونتيجته المفارقة أن « الحفاظ على مجتمع متسامح يقتضي أن يكون المجتمع غير متسامح مع التعصب ».
هذه المفارقة ليست تبريراً للقمع، بل هي تحديدٌ لشرط بقاء التسامح ؛ أن يضع لنفسه حدوداً. فالمجتمع الذي يتسامح مع من يريد تدميره ليس متسامحاً، بل انتحاريّ. وهذا هو الإطار النظري الدقيق للعبارة المطروحة ، التسامح مع « الخيانة » ليس فضيلة، بل هو استسلام. والخيانة هنا ليست رأياً مخالفاً، ولا معتقداً دينيّاً أو فكريّاً مختلفاً، بل فعلٌ ينقض شرطَ العيش المشترك ذاته — أي الولاء للجماعة التي تمنح الفرد حقّ الاختلاف.
من لوك إلى فولتير، التسامح المشروط لا المطلق
لم يكن التسامح في التقليد الفلسفي الحديث تسامحاً أعمى. جون لوك، في « رسالة في التسامح » (1689)، ربط التسامح بالحقوق الطبيعية، لكنه لم يجعله مطلقاً. فقد ذهب إلى أن التسامح الديني لا ينبغي أن يمتدّ إلى من ينكرون وجود اللَّه، لأن « الوعد والعهد والقسم، من حيث هي روابط المجتمع البشري، ليس لها قيمة بالنسبة إلى الملحد؛ فإنكار اللَّه، حتى لو كان بالفكر فقط، يُفكّك جميع الأشياء ». وقد تبدو هذه الاستثناءات تاريخيةً ومحدودةً بسياقها، لكنها تكشف مبدأً بنيويِّاً: التسامح يُمنَح في إطار ما يحفظ المجتمع، لا فيما يهدّده. ولوك نفسه لم يكن يدعو إلى تسامحٍ مع من يستخدم الدين لتقويض النظام المدني، بل طالب بالفصل بين « مهام الحكم المدني » و« الدين ».
أما فولتير، في « رسالة في التسامح » (1763)، فقد جعل التسامح « خاصية إنسانية وضرورة طبيعية »، حتى إن « من لا يحمل هذه الصفة لا يكاد يكون إنساناً، بل هو أقرب إلى التوحش والعنف ». لكنه لم يقصد أن يُسامَح التعصب نفسه. فالتسامح عنده هو السبيل « للقضاء على التعصب والتناحر الذي ينخر جسد أي مجتمع ». بعبارة أخرى: التسامح قيمةٌ مضادّة للتعصب، لا مساحةٌ يمارس فيها التعصب نفسه. والفرق بين هذا وذاك هو الفرق بين التسامح الذي يحمي العيش المشترك، والتسامح الذي يفتح له باب الخيانة.
هابرماس ودريدا بين العقلانية واللامشروط
يقدّم يورغن هابرماس صياغة إجرائية لحدود التسامح. ففي سياق الجماعة الديمقراطية، « يكون المقياس المشترك الوحيد الذي يتطلبه التسامح هو الولاء للدستور »، وهو الشرط الذي « يسامح بمقتضاه الشخص المتدين الشخص الملحد». وليس هذا الولاء مجرّد إجراء شكلي، بل هو ما يجعل التسامح ممكناً بين جماعات لا تتفق على تصوّراتها للخير. فمن يخرج على هذا الإطار — لا بالاختلاف معه، بل بنقضه — لا يطلب تسامحاً، بل يطلب تسليحاً ضد المجتمع الذي يتسامح معه. وهنا يظهر الفرق بين « الخلاف العقلاني » و« الخيانة »: الأول يمارَس داخل قواعد اللعبة المشتركة، والثاني ينقض القواعد ذاتها.
غير أن جاك دريدا يطرح تحدّياً مضادَّاً: « التسامح غير المشروط »، القائم على « احترام للغيرية اللاحدودة وللمسافة وللتشتيت والفصل واللامماثلة ». ويرفض دريدا أن يكون التسامح « ضيافةً مشروطة » تخضع لشروط مسبقة. لكن حتى هذا التسامح اللامشروط لا يُفهم عنده كقبولٍ بالظلم أو الخيانة، بل كعلاقة مع « الآخر من حيث هو غريب »، لا مع من يستخدم الضيافة لاغتيال المضيف. فالتسامح اللامشروط موقفٌ أخلاقي تجاه الغيرية، لا تجاه الأفعال التي تدمر شرطَ التعايش.
ابن رشد التسامح كضابطٍ للحوار لا كغفلةٍ عن الخيانة
في التقليد العربي الإسلامي، قدّم ابن رشد نموذجاً للتسامح الفكري القائم على ضوابط الحوار. في كتابه « فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من إتصال» وكتابه « تهافت التهافت »، دافع عن حق الفلاسفة في الاختلاف مع المتكلمين، لكنه لم يجعل هذا الحق ذريعة لنقض الدين أو الجماعة. وقد لاحظ الدارسون أن « روح التسامح في الفكر الرشدي » تتجلّى في « النزعة العقلانية » التي تجعل الاختلاف مشروعاً بشرط أن يُمارَس بالحجة والبرهان، لا بالتكفير والتخوين. فابن رشد نفسه عانى من اتهامات الفقهاء، لكنه لم يدعُ إلى تسامحٍ مع من يخون الجماعة أو يفسد في الأرض؛ بل دعا إلى التمييز بين الخطأ في الرأي والفساد في الفعل.
التسامح الذي يحمي نفسه
تُجمع هذه المسارات الفلسفية — من لوك إلى بوبر، ومن فولتير إلى هابرماس وابن رشد — على فكرة مركزية مفادها أن التسامح ليس غياب الحدود، بل هو وضعٌ للحدود. وحين تُقال العبارة المطروحة، فإنها لا ترفض العيش المشترك، بل تحميه من أن يُختطف. فالخيانة والعمالة ليستا « رأياً » يُسامَح، بل فعلاً ينقض العقد الذي يجعل التسامح ممكناً أصلاً. ومفارقة بوبر تعلّمنا أن المجتمع المتسامح الذي لا يجرؤ على تسمية الخيانة باسمها إنما يسلّم مفاتيحه لمن لا يؤمن بالتسامح. وليس التسامح الحقيقي هو الذي يقول: « سامح حتى الخائن »، بل هو الذي يقول: « سامح المختلف، واحمِ المشترك من الخائن ». بهذا المعنى، يكون التسامح قوةً لا ضعفاً، وشرطاً للعيش المشترك لا بديلاً عنه.