ليس بالجديد أن تعمد السعودية إلى صناعة بؤرة توتر في محيط باب المندب، فآلة الشتات التي تعيشها نتيجة الضغوط والانهيار المفروض عليها من قبل اليمن، تدفعها لتحركات لا تنم عن أي حنكة سياسية بقدر ما تعكسه عن فقدان لبوصلة الأولويات.
خلال الأيام الماضية عمد العدو السعودي إلى فتح جبهة جديدة في باب المندب، ودفع بالآلاف من أدواته وزودهم بالأسلحة والعتاد والمدرعات، مع إسنادهم بمئات الغارات للتحرك في أكثر من مسار، خاصة باتجاه مطار ذباب وكذلك الزحف باتجاه باب المندب، انطلاقاً من رأس العارة والمضاربة في لحج، إلا أن الملفت ما أقدم عليه العدو السعودي من استهداف لجزيرة ميون التي تتوسط باب المندب بالغارات الجوية والصواريخ وهو استهداف يهدد خطوط الملاحة البحرية بشكل مباشر ويحمل المعتدي السعودي تبعات ما سينتج عنه من تهديد لسلامة الملاحة.
وفي الوقت الذي تتكشف فيه هشاشة الرياض وعجزها عن كبح جماح الانهيار المتسارع الناتج عن شلل مطاراتها وتعطل إنتاجها النفطي وتجفيف شرايين اقتصادها، تسعى إلى خلط الأوراق في باب المندب بغية تأليب المجتمع الدولي واستدعاء تدخله عبر التهويل من الواقع الجديد الذي فرضته القوات اليمنية بسيادتها الطبيعية والمشروعة على هذا المضيق الحيوي.
ومن جهة أخرى، تهدف الرياض من وراء محاولة استعادة السيطرة على المضيق إلى ما هو أبعد من فك الحظر عن صادراتها النفطية، إذ تسعى لتمرير أجندات تهدف إلى تدويل هذه المنطقة المائية وإعادة التموضع العسكري فيها تحت شعارات واهية في مقدمتها "حماية الملاحة الدولية"، حيث تتوهم الرياض أن خلط الأوراق عند باب المندب قد يمنحها ورقة ضغط أو طوق نجاة يخرجها من مأزقها الراهن، إلا أن مراهناتها هذه أثبتت فشلها مراراً، فالقوات اليمنية الممسكة بزمام السيطرة على الأرض والممر المائي هي صاحبة القول الفصل.
والحقيقة أن المراهنة على تحريك هذه الأوراق لن تمنح الرياض أمنها المفقود، ولن تنعش اقتصادها المتردي، بل ستضاعف من حالة الانكشاف الاستراتيجي التي تعاني منها، وستعري عمق مأزقها الشامل، وبدلاً من أن تنقذ الرياض نفسها تسهم هذه التحركات في تسريع وتيرة انهيارها، وتأكيد حقيقة أن المعادلة في البحر الأحمر وباب المندب قد تغيرت إلى غير رجعة ولم يعد بمقدور أي ضغوط إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، فبسط اليمن سيادته الكاملة على كامل أراضيه ومياهه الإقليمية بما فيها باب المندب هو حق سيادي أصيل ومشروع تكفله القوانين والأعراف والمواثيق الدولية، ولا يمكن التفاوض عليه أو التنازل عنه.
ولا شك أن السعي السعودي المحموم لتحويل واحدة من أهم النقاط الحاكمة للتجارة البحرية العالمية إلى منطقة اشتباك مسلح يمثل في جوهره الخطر الفعلي والتهديد المباشر لأمن الملاحة الدولية، وما الترويج الإعلامي المكثف والممول سعودياً إلا محاولة مكشوفة لقلب الحقائق عبر محاولة تصوير حماية القوات اليمنية لمياهها الإقليمية وكأنها مصدر الخطر، في حين إن السلوك السعودي المغامر هو المصدر لأي تهديد يطال حركة التجارة العالمية.
إن التحشيدات السعودية باتجاه باب المندب هو أمر يمس جوهر الأمن القومي اليمني، ما يعني حتمية مواجهته بحزم، فحماية المياه الإقليمية ومضيق باب المندب مسؤولية سيادية حصرية للدولة اليمنية، وليست مجالاً للتفاوض أو المساومة، ومن هذا المنطلق فإن أمن باب المندب والبحر الأحمر يمثل شأناً سيادياً يمنياً بامتياز، وأن أي مساس بهذا الحق عبر استقدام الفصائل والتحشيدات العسكرية سيقابل برد عسكري كفيل بإفشال تلك المخططات.
وخلاصة القول: إن ما يجري في باب المندب ليس مجرد تحرك عسكري عابر، بل هو اختبار حقيقي لمعادلة السيادة التي فرضها اليمن بدماء أبنائه، فالرياض بتحشيداتها إنما تدخل في معادلة صفرية لن تؤدي إلا إلى تعميق أزمة الملاحة التي تزعم حرصها على حمايتها.
كما تؤكد الوقائع الميدانية أن الرهان على التحرك العسكري في الساحل الغربي يعد خياراً عقيماً، فتجربة السنوات الماضية أثبتت أن القوة العسكرية والغطاء الجوي لم يتمكنا من فرض واقع جديد، بل إن أي تصعيد جديد لن يؤدي إلا إلى مضاعفة الكلفة على القوى المعتدية وتحويل الساحل بأكمله إلى مستنقع استنزاف معقد.
إن السلامة الملاحية والاستقرار التجاري لا يمكن أن يبنيا على أوهام الحسم العسكري، وإنما يرتكزان على احترام السيادة ووقف التصعيد وإبعاد الشرايين الملاحية الدولية عن النزوات السياسية والعسكرية.