سيف طويل.. ثائر أكتوبري صنع من رحم المعاناة أمجاداً

سيف طويل.. ثائر أكتوبري صنع من رحم المعاناة أمجاداً

الزيارات: 4

بين طيات الذاكرة وتاريخ المدن، تبرز سير الرجال العصاميين الذين صنعوا من رحم المعاناة أمجاداً، وتركوا بصمات لا تمحوها الأيام. ومن هذه الشخصيات البارزة في مدينة قعطبة، يبرز اسم المرحوم "سيف علي مسعد يحيى طويل" (المعروف بلقب العودي)،

الذي تجسد سيرته قصة إنسان واجه صعاب الحياة منذ طفولته، فكان نموذجاً للوفاء، والكفاح، والوطنية، والعمل الخيري.

جذور متأصلة وبدايات مبكرة مع اليتم
يعود نسب الفقيد إلى عائلة "بيت طويل" العريقة في مخلاف عمار عزلة رخمة. وقد انتقل والده الراحل مترحلاً باحثاً عن الرزق حتى استقر به المقام في مدينة قعطبة، حيث عُرف هناك بـ "العمّاري" نسبة إلى مخلاف عمار، واشتغل بالتجارة بين اليمن والحبشة.
لم تدم طفولة سيف طويلاً؛ إذ وافت المنية والده في وقت مبكر، ليجد الصبي نفسه في مواجهة مرارة اليتم وغربة الديار. وتزامن ذلك مع أوزار الحرب العالمية الثانية وما خلّفته من شحّ في الغذاء والدواء، فضلاً عن الأوضاع المعيشية القاسية تحت حكم المملكة المتوكلية.
وفي تلك الظروف الصعبة، دفعته أمه المبجلة إلى ميدان العمل باحثاً عن لقمة العيش. وخلال صباه، عُرف بلقب "العودي" -الذي لازمه طوال حياته- نتيجة لتقارب سكان مخلافي عمار والعود جغرافياً وثقافياً، حيث أطلق أهل قعطبة هذه النسبة على كل قادم من جهة دمت. وفي وقت لاحق، تعرّف سيف أكثر على بني عمومته من آل طويل، مستنداً إلى روابط أسرية متينة شملت عمه سعيد مسعد ومسعد محمد طويل وآخرين.

رحلة الاغتراب وبناء الذات
لم تهزمه ظروف النشأة، بل انطلق مبكراً في دروب السفر والكد تحفه عناية الله وتوفيقه و تسديده. وسافر إلى المملكة العربية السعودية برفقة أهل الكرم والجود من قرية "قراوة" بمريس وغيرها. وهناك، أتقن مهنة الكهرباء وعمل كهربائياً، مبكراً في الاعتماد على نفسه وإرسال إعاناته لوالدته في الوطن.
وحين عاد إلى أرض الوطن، اختارت له أمه الزواج من ابنة الشيخ عبد الله محمد ثابت (شيخ قعطبة في حينه)، لترتبط عائلته بمصاهرة مع أبرز وجاهات المنطقة. كما امتدت هذه الروابط الأسرية لاحقاً لتشمل مصاهرة قيادات وطنية بارزة، حيث تزوج وزير الداخلية الأسبق في دولة الجنوب، محمد عبد الله البطاني، كريمة الفقيد سيف علي.

دروب النضال الوطني: درع ثورة أكتوبر
لم تقتصر حياة سيف علي على التجارة والعمل، بل كان لصيقاً بالحدث الوطني الأبرز؛ إذ شهدت مدينة قعطبة انطلاق شرارة العمليات الجهادية والنضالية وتفويج المجاهدين ضد المستعمر البريطاني لجنوب اليمن، متزامنة مع ثورة 14 أكتوبر المجيدة عام 1963م.
وقد مثلت قعطبة -التي كانت منطقة فاصلة بين الجنوب والشمال- مأوى آمناً للأحرار والمجاهدين بقيادة رموز وطنية كبرى مثل مساعد قاسم علي، وعلي عنتر، والشيخ صالح مثنى عامر الشاعري (الذي كان عديلاً للفقيد)، والمناضل محسن ناجي بن ناجي. وقد وثق الأخير في مذكراته الأدوار النضالية المشرفة للمرحوم سيف علي، مُخصّصاً بالذكر مبادرته الشجاعة في تسخير سيارته الخاصة لنقل المجاهدين وتسهيل مهامهم الوطنية، في دلالة واضحة لمدى إخلاصه لثورة شعبه ووطنه.

ريادة تجارية وبصمات خيرية خالدة
إلى جانب رصيده النضالي، عُرف الفقيد بحسه التجاري الفذ؛ حيث خاض غمار النقل الثقيل بدءاً من ميناء الحديدة، وصولاً إلى ميناء عدن بعد تحقيق الوحدة المباركة. كما توسع في الاستثمار الزراعي (مزارع القات) والاستثمار العقاري.
غير أن أعظم ما خلّفه سيف علي وراءه كان أثره الإنساني والخيري؛ فقد تجسد ذلك بوضوح في بنائه لجامعٍ كبير وضخم في مدينة قعطبة اسمه "مسجد السلام"، والذي اشتهر شعبياً باسم "مسجد سيف العودي"، ليظل معلماً دينياً ومنارة ذكر وعبادة، وصدقة جارية تخلد ذكره الطيب في الأرض.
رحم الله الفقيد سيف علي مسعد طويل، وأسكنه فسيح جناته، وجعل كل ما قدمه من خير وجهاد في ميزان حسناته، وبارك في عقبه وأحفاده.

طباعة