لم يعد الحديث عن استقدام السعودية لمقاتلين سوريين إلى جبهات اليمن مجرد تسريبات تتداولها الصالونات السياسية، فبحسب ما كشفته وكالة "رويترز" نقلاً عن مسؤولين أمريكيين وعسكريين سوريين، تحول الأمر إلى مسار عملياتي تُدرس تفاصيله بعناية في كواليس القرار بين الرياض ودمشق،
وهذا الكشف الدولي لا تكمن أهميته في بعده العسكري فحسب، بل فيما يعلنه بوضوح وصول إدارة التحالف الذي تقوده السعودية للملف اليمني إلى طريق مسدود، بعد نحو عقد كامل من التدخل العسكري المباشر.
إن لجوء الرياض للبحث عن قوى خارجية جديدة لملء الفراغ البري وحماية عمقها من الضربات الصاروخية والمسيرة القادمة من صنعاء، يمثل ذروة الانكشاف الميداني والسياسي، فبالرغم من الإنفاق المالي الهائل والغطاء الجوي الشامل والتفوق التسليحي، عجزت السعودية طوال السنوات الماضية عن بناء تشكيلات عسكرية موحدة قادرة على إحداث أي تغيير في موازين القوى أمام القوات اليمنية، بل تشظت الجبهات الموالية لها وتوزعت ولاءاتها بين أطراف متنافسة تحركها أجندات متضاربة. وأمام هذا الواقع، أصبح البحث عن بديل خارجي خياراً اضطرارياً لترميم الجبهات المنهكة وتأمين الحدود الجنوبية للمملكة.
الخطورة الأكبر في هذا المسار الجديد لا تكمن في استقدام مقاتلين أجانب فحسب، بل في طبيعة هؤلاء المقاتلين، فالنواة الصلبة للقوات التابعة للنظام السوري الجديد بقيادة أحمد الشرع "الجولاني" تشكلت من عناصر خاضت سنوات الحرب السورية تحت مظلات فكرية متطرفة، وعلى رأسها هيئة تحرير الشام والفصائل المقربة منها، واستجلاب هذه العناصر بتعبئتها الفكرية الحادة ونقلها إلى التضاريس اليمنية المعقدة، يعني نقل الصراع من مربع التنافس السياسي والإقليمي إلى أتون صراع طائفي مدمر.
اليمن، بتاريخه الطويل، انفرد بخلوه من الحروب الطائفية المباشرة، فالتعايش الفريد بين المذهبين الزيدي والشافعي شكل قاعدة اجتماعية مستقرة لقرون، حيث يصلي اليمنيون في مسجد واحد دون حسابات مذهبية ضيقة، وإقحام عناصر تحمل إرثاً عقائدياً تكفيرياً ظهرت انتهاكاته في مناطق الساحل السوري والسويداء وغيرها، يمثل محاولة مباشرة لتفكيك هذه البنية الاجتماعية المتماسكة وضرب اللحمة الوطنية التي عجزت آلة الحرب عن كسرها.
التجارب التاريخية أثبتت أن البيئة الميدانية اليمنية عصية على القوى الوافدة، فالتضاريس الجبلية المعقدة، والخبرة القتالية المتراكمة، والرفض المجتمعي لأي وجود أجنبي، كلها عوامل جعلت كل القوى الخارجية عرضة للاستنزاف والكمائن والإنهاك المستمر، والاعتماد على عنصر خارجي يحمل فكراً دخيلاً لن يغير من هذه المعادلة شيئاً، بل سيزيد من تعقيد المشهد ويحول الحدود الجنوبية للسعودية إلى ساحة مفتوحة لتداعيات صراع عابر للحدود.
كما أن هذه الخطوة من منظور اليمن، تعد دليلاً مادياً على طبيعة المشروع الذي تواجهه، وهو ما يوحد القبائل والمكونات الوطنية حول خيار المواجهة باعتباره دفاعاً عن الهوية والنسيج الاجتماعي ضد مشروعات التطييف الوافدة.
إن اتجاه السعودية لاستجداء دعم عسكري من دمشق عبر قوات الجولاني لا يعكس قوة أو قدرة على المناورة الاستراتيجية، بقدر ما يعكس هروباً من استحقاقات السلام التي فرضها الواقع الميداني الجديد، فاستيراد مقاتلي الفكر التكفيري من الشام إلى اليمن لن يحقق للمملكة أمنها المفقود ولن يضمن سلامة حدودها، بل سينقل شرارة الصراع الطائفي ليهدد أمن واستقرار الجزيرة العربية برمتها لعقود قادمة، وسيجعل من المستنقع اليمني مقبرة جديدة لكل الرهانات الخارجية الفاشلة.