عندما تفشل الجيوش في الميدان، تبحث عن نصر في الشاشة وعندما تعجز الصواريخ الاعتراضية عن حماية العمق، يتم استدعاء الخطباء وهذا هو الملخص الدقيق للحملة السعودية الأخيرة التي اتهمت اليمن باستهداف محطة كهرباء تغذي المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، وهي تهمة لا تصمد أمام أبسط قواعد المنطق العسكري والسياسي.
فمن يمتلك القدرة على الوصول إلى قواعد عسكرية ومطارات ومراكز قيادة ومنشآت نفطية في عمق المملكة، ويتجاوز منظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات، ليس بحاجة إلى استهداف محطة خدمية فرعية ومن يفرض حظراً بحرياً محكماً في باب المندب ويعيد رسم خارطة الملاحة الدولية، لا يبحث عن أهداف هامشية، والحقيقة أن بنك الأهداف اليمني واضح ومعلن منذ سنوات: أهداف عسكرية وسيادية واقتصادية استراتيجية تحقق الردع المباشر وأما المقدسات الإسلامية في مكة والمدينة فهي خط أحمر عقائدي وسياسي لا يمكن المساس به، ليس من باب المناورة التكتيكية، بل من باب المبدأ الثابت الذي يميز هذه المعركة.
فعلى الأرض، تتراجع القوات الموالية للرياض وتفقد قدرتها على المناورة، وفي البحر فُرضت معادلة حظر صارمة أربكت سلاسل الإمداد السعودية ونقلت مركز التحكم التكتيكي في جنوب البحر الأحمر لصالح اليمن وعندما يفرغ الرهان الميداني من محتواه، يصبح البحث لابد منه عن رواية أخرى لتغطية العجز وهو إفلاس سياسي أيضاً، فالرياض التي راهنت لعقود على مظلة حماية أمريكية وغربية، وجدت نفسها أمام خذلان واضح وفشلت كل أطر "حماية الملاحة" متعددة الجنسيات في وقف العمليات اليمنية أو توفير الحماية للمنشآت الحيوية، فواشنطن نفسها عجزت عن فرض واقع جديد في البحر الأحمر، ما وضع القيادة السعودية في عزلة استراتيجية غير مسبوقة وأمام هذا العجز المزدوج، لم يبقَ أمامها إلا توظيف الورقة الدينية.
إن استثارة المشاعر واستدرار التعاطف العربي والإسلامي هو محاولة مكشوفة لتحويل معركة سياسية وعسكرية واضحة المعالم، عنوانها العدوان والحصار وقصف مطار صنعاء والأسواق والجسور، إلى معركة عقائدية وهي محاولة لتأليب الرأي العام المسلم ضد اليمن، وتحويل الأنظار عن حقيقة أن ما يجري هو رد مشروع على عدوان مستمر.
لكن هذه الورقة استهلكت، فالرأي العام اليوم يدرك الفارق جيداً بين من يستهدف المدنيين والأسواق ومحطات الاتصالات والمدارس في تعز والحديدة وصعدة، وبين من يستهدف منشآت عسكرية ونفطية ويدرك أن من يدافع عن فلسطين ويفرض معادلة إسنادها في البحر الأحمر، لا يمكن أن يستهدف مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمعادلة الصراع حُسمت معالمها الكبرى في الميدان وفي البحر واليمن انتقل منذ وقت مبكر من مرحلة امتصاص الصدمات إلى مرحلة المبادأة وفرض القواعد واختراق العمق بتكنولوجيا مسيرات وصواريخ أثبتت قدرتها على التخفي وتجاوز منظومات الإنذار المبكر.
وأمام هذا الواقع، تتضاءل خيارات الرياض إلى خيارين لا ثالث لهما؛ إما الاعتراف بمعادلة الردع الجديدة والدخول في تهدئة جادة تبدأ بوقف العدوان ورفع الحصار وإنهاء الوصاية على المنافذ والثروات، أو الاستمرار في استهلاك الخطاب العاطفي الذي لم يعد قادراً على ترميم موقف عسكري متداعٍ.
المتاجرة باسم مكة والمدينة لن تغير ميزان القوى، ولن توفر حماية لمنظومات فشلت في حماية نفسها، ولن تعيد زمام مبادرة فقدت في الميدان.