من باب المندب إلى ينبع.. كيف انتقلت كلفة الحرب إلى الاقتصاد السعودي؟!

من باب المندب إلى ينبع.. كيف انتقلت كلفة الحرب إلى الاقتصاد السعودي؟!

الزيارات: 21

خلال الأسابيع الأخيرة، اتسعت آثار العمليات العسكرية اليمنية لتتجاوز حدود الأهداف المباشرة التي استهدفتها، لتظهر انعكاساتها في مكان آخر تماماً في حركة الملاحة، وأقساط التأمين، وأسواق الطاقة، والحسابات الأمنية، ولم تعد العملية العسكرية تقاس فقط بحجم الضرر في المنشأة المستهدفة،

بل بسلاسل التكاليف التي تتركها وراءها، والتي تمتد من موانئ البحر الأحمر إلى خطوط أنابيب النفط والمنشآت الحيوية وصولاً إلى النقاشات الدائرة في العواصم الغربية حول مستقبل الحماية العسكرية في الخليج.
أبرز التحولات ظهرت في قطاع النقل البحري والتأمين، فبعد استهداف ميناء ينبع، ارتفعت علاوات مخاطر الحرب على ناقلات النفط المرتبطة بالسعودية إلى نحو ثلاثة في المائة من قيمة السفينة، مع احتمال وصولها إلى سبعة في المائة بحسب مسار الرحلة ومستوى الخطر، وهذا يعني أن تكلفة التأمين على رحلة واحدة من ينبع قد تصل إلى نحو ثلاثة ملايين دولار، وقد ترتفع في رحلات أخرى من الموانئ الجنوبية أو عبر مضيق هرمز إلى نحو سبعة ملايين دولار.
هذه الأرقام تغير قواعد اللعبة، فكل ارتفاع في علاوة التأمين يضاف مباشرة إلى تكلفة النقل، وكل زيادة في مستوى المخاطر تفرض على شركات الشحن إعادة تقييم المسارات والموانئ والعقود، وقد تدفع بعض الشركات إلى تجنب موانئ بعينها بصورة كاملة، لأن المخاطر الأمنية تحولت إلى حسابات تجارية مباشرة تتعلق بسلامة السفن وكلفة الرحلة.
تظهر أهمية ينبع بصورة خاصة بسبب موقعها في منظومة تصدير النفط، فالميناء يمتلك قدرة تصديرية كبيرة ومخزونات ضخمة تقدر بنحو 22 مليون برميل، وهو يمثل العقدة التي تمنح السعودية منفذاً استراتيجياً بعيداً عن مضيق هرمز عبر خط أنابيب شرق-غرب الذي يمتد لنحو 745 ميلاً، وعندما تمتد المخاطر إلى ساحل البحر الأحمر نفسه، تصبح عملية تحويل الصادرات من مسار إلى آخر أكثر تعقيداً، والسوق لا يحتاج إلى توقف كامل للصادرات كي يعكس المخاطر في أسعار التأمين والشحن، يكفي ارتفاع احتمال التعطل حتى تدخل علاوة المخاطر في الحسابات وهذا ما بدأ يظهر في اقتراب أسعار النفط من مستويات 110 دولارات للبرميل مع تصاعد التوتر حول باب المندب وهرمز والبنية التحتية النفطية.
التأثير الثاني يتمثل في الضغط على البنية التحتية للطاقة بأكملها، فشبكة الطاقة السعودية تشمل آباراً ومصافي ومخازن ومحطات ضخ وموانئ وخطوط أنابيب ومحطات معالجة وتوزعها الجغرافي الواسع يجعل تأمينها جميعاً مهمة مكلفة للغاية، وهنا تظهر أكثر النتائج حساسية اتساع الفجوة بين كلفة الهجوم وكلفة الدفاع. فالسعودية مطالبة بحماية مساحة جغرافية واسعة تحتوي على منشآت نفطية ومطارات ومصانع تحلية ومدن، بينما يمكن للطرف المقابل استخدام وسائل أقل كلفة بكثير لإبقاء مستوى التهديد قائماً.
الدفاع ضد صواريخ وطائرات مسيرة منخفضة الكلفة نسبياً يتطلب في كثير من الحالات استخدام منظومات اعتراض باهظة الثمن وهكذا تتحول الحرب إلى معركة استنزاف اقتصادي طويلة الأمد، لا تقاس نتيجتها بإصابة هدف من عدمه، بل بكمية الموارد التي ينفقها كل طرف للحفاظ على قدرته على الاستمرار.
أما التأثير الثالث فيتعلق بالملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، فبعد استهداف السفن المرتبطة بالسعودية وتغيير مسار عشرات الناقلات بعيداً عن باب المندب، نشأ نمط جديد من المخاطر البحرية يقوم على التمييز بين السفن بحسب ارتباطها، في وقت عادت فيه حركة الملاحة بالنسبة للسفن المحايدة إلى مستويات مرتفعة.
هذا التمييز يضيف طبقة جديدة إلى حسابات شركات النقل، فهي لم تعد تنظر فقط إلى جغرافية البحر والممر الملاحي، وإنما إلى هوية السفينة والحمولة والمالك والميناء الذي تتجه إليه، وتزداد أهمية باب المندب لأنه حلقة وصل بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، وأي اضطراب طويل فيه يدفع بعض السفن نحو مسارات أطول حول رأس الرجاء الصالح، بزيادة في المسافة واستهلاك الوقود ومدة الرحلات والتأمين.
على المستوى العسكري، فتحت العمليات ملفاً آخر يتعلق بقدرة القواعد والمنشآت العسكرية الأجنبية على العمل بأمان في بيئة باتت فيها الصواريخ والمسيرات قادرة على الوصول إلى مواقع بعيدة داخل الأراضي السعودية، مما أدى إلى إعادة انتشار ونقل بعض الأصول العسكرية المتخصصة في الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة، وهذا يضع مفهوم المظلة الأمنية أمام اختبار عملي، فعندما تصبح المنشآت الحيوية عرضة للاستهداف، يظهر السؤال حول حدود الشراكات الأمنية مع واشنطن والعواصم الغربية، وما إذا كانت مستعدة لتحمل تكاليف مواجهة مباشرة، وقد ظهر ذلك في تزايد المؤشرات على عدم استجابة واشنطن لمطالب الرياض بالتدخل المباشر، ومحاولة الأخيرة البحث عن دعم من أطراف دولية أخرى، في ظل خيبة أمل من مستوى الدعم الأمريكي.
في النهاية، تتجمع هذه المسارات في معادلة واحدة كلما ارتفع مستوى الخطر حول المنشآت النفطية والموانئ وخطوط الأنابيب، ارتفعت كلفة الحماية والتأمين والنقل، وكلما اتسع نطاق التهديد، ازدادت الحاجة إلى موارد عسكرية أكبر.
إن الحرب لم تعد تجري في الجغرافيا اليمنية وحدها، فآثارها تنتقل من البحر إلى التأمين، ثم إلى النفط، ثم إلى التجارة، ثم إلى الحسابات العسكرية وصولاً إلى العلاقات الدولية وكل حلقة من هذه السلسلة ترفع كلفة استمرار التصعيد.
وهنا تكمن الدلالة الأبرز ارتفاع الكلفة الاقتصادية والعسكرية يخلق ضغطاً متزايداً باتجاه البحث عن ترتيبات تنهي العدوان وترفع الحصار، لأن كلفة الرضوخ لشروط السلام العادل أصبحت أقل بكثير من كلفة الاستمرار في حرب استنزاف مفتوحة.

طباعة