الخروج السعودي من اليمن بماء الوجه

الخروج السعودي من اليمن بماء الوجه

الزيارات: 88

تُعلمنا أدبيات العلوم العسكرية والاستراتيجية أن أعظم خطيئة يمكن أن يرتكبها صانع القرار الإقليمي هي الاستمرار في الاستثمار السياسي والعسكري في "أدوات ميتة سريرياً"،

وقد أثبتت التجربة عجز هذه الأدوات عن صياغة معادلة استقرار على الأرض؛ وهذا هو المأزق الجيوسياسي الذي تواجهه الرياض اليوم في مقاربتها للملف اليمني.
لذا فإن الرهان السعودي المستمر منذ اثني عشر عاماً على كيانات سياسية وعسكرية تقيم في قاعات الفنادق والشتات وتفتقر لأي نفوذ أو حاضنة شعبية حقيقية داخل الجغرافيا اليمنية، لم يعد يمثل استنزافاً مالياً عبثياً للميزانية السعودية فحسب، بل بات العائق الرئيسي والوحيد الذي يمنع المملكة من طي صفحة هذا النزاع الدامي بما يحفظ أمنها القومي ويتيح لها التفرغ الكامل لمشاريعها التنموية الكبرى.
إن بقاء هذه "النخب الافتراضية" تحت مسمى الشرعية هو تكرار حرفي للأخطاء التاريخية للقوى الاستعمارية التي حاولت فرض كيانات معزولة، لتكتشف في النهاية أن شرعية الحكم ومفاتيح الاستقرار لا تُصنعان في الغرف المغلقة، بل تُنتزعان وتُداران من قِبل القوى الحية والمسيطرة فعلياً على الأرض.
ومن منظور أمني وعسكري بحت، فإن التطور الهائل والنوعي في ترسانة الردع لحكومة الأمر الواقع في صنعاء (أنصار الله) من صواريخ بعيدة المدى ومسيرات ذكية، قد فرض واقعاً جيوسياسياً جديداً لا يمكن تجاوزه أو إسقاطه عبر المراهنات الاستخباراتية العتيقة لـ "اللجنة الخاصة"، وتجاوز النزاع سقف المناورات التكتيكية ليصبح تهديداً مباشراً للعمق الاقتصادي الحيوي للمملكة؛ مما يوجب على الأمير محمد بن سلمان قراءة هذا التحول التاريخي بشجاعة سياسية تفكك هذا المستنقع من خلال خطوة هيكلية وصادمة تقطع دابر الابتزاز: وذلك عبر تجميع كافة رموز هذه الحكومات الموازية من قادة مدنيين وعسكريين، وترحيلهم عبر طائرة خاصة مباشرة إلى العاصمة صنعاء ليواجهوا مصيرهم وخياراتهم الوطنية على الأرض، مع مصادرة وإعادة توجيه كافة أرصدتهم المالية إلى البنك المركزي في صنعاء كخطوة أولى لجبر الضرر الاقتصادي للشعب اليمني. وبالتالي فإن فتح الباب الدبلوماسي الشجاع بعودة السفارة السعودية إلى صنعاء، والبدء في مسار إعادة الإعمار، وتتويج هذه الخطوات بصياغة اتفاقية "دفاع مشترك" متكافئة بين الرياض وصنعاء، هو المخرج الاستراتيجي الوحيد والذكي الذي سيحول اليمن من مصدر تهديد دائم إلى عمق أمني صلب للمملكة في مواجهة أي استقطابات دولية؛ فالسلام والندية مع الأقوياء الصامدين على أرضهم هو صمام الأمان الحقيقي لحسن الجوار، بينما الاستمرار في إنعاش الوكلاء الهشّين ليس سوى انتحار سياسي بطيء يبدد الثروة ويحفر قبر الاستقرار بيد صانعه.

طباعة