ليست كل الضربات متساوية في دلالتها، فبعضها يقاس بحجم الدمار، وبعضها يقاس بالأسئلة التي تثيرها والعملية التي استهدفت الرياض وينبع في التاسع عشر من سبتمبر تندرج ضمن النوع الثاني، كونها لحظة فاصلة في مسار الصراع،
ففي توقيت واحد، انطلقت صواريخ باليستية ومجنحة وطائرات مسيرة باتجاه هدفين متباعدين جغرافياً لكنهما مترابطان استراتيجياً الرياض وينبع، فالعاصمة والمدينة النفطية ظهرتا في مشهد عسكري واحد، وبرسالة واحدة.
هذا التنوع في وسائل الهجوم المتعددة المسارات والارتفاعات هو جوهر الرسالة، فهو يفرض على منظومة الدفاع التعامل مع تهديد مركب ومتزامن يستنزفها واختيار الهدفين لم يكن عشوائياً، فالرياض هي مركز الثقل السياسي والعسكري وقلب القرار وعندما تصل النيران إلى محيط مطار الملك خالد وتضطرب حركة الطيران وتغلق الأجواء مؤقتاً، فإن الرسالة تتجاوز المنشأة المستهدفة إلى صورة الدولة نفسها وقدرتها على الحماية.
أما ينبع، فهي الوجه الآخر للمعادلة، ميناء على البحر الأحمر وعقدة لتصدير النفط ومركز لمنظومة خط أنابيب الشرق-الغرب الذي يمنح السعودية منفذاً استراتيجياً بعيداً عن مضيق هرمز والجمع بين المدينتين في عملية واحدة يعني ضربة على مركز القرار بالتوازي مع ضربة على مركز القوة الاقتصادية.
لسنوات قامت معادلة العدوان على افتراض أن اليمن هو ساحة المعركة، بينما تمتلك السعودية عمقاً آمناً تدير منه الحرب من وراء الحدود، ووصول الهجمات إلى العمق ينسف هذه الفرضية ويطرح سؤالاً جوهرياً عن قيمة منظومات الدفاع باهظة الثمن، فالحرب لا تدار بالسلاح فقط، بل بالصورة التي يملكها كل طرف عن قدرة خصمه ومع تكرار الضربات بعيدة المدى ووصولها بدقة، بدأت صورة العمق المحصن في التآكل وهنا يكمن معنى الردع الحقيقي ليس فقط إصابة الأهداف، بل إجبار الخصم على توزيع انتباهه وموارده على أكثر من جبهة في اللحظة نفسها.
ما يجعل عملية 19 سبتمبر تطوراً نوعياً هو أنها لم تأت منفردة، بل ضمن منظومة مسارح مترابطة عنوانها "الحصار بالحصار".
فبالتوازي مع ضرب العمق، نفذت القوات المسلحة عملية استباقية واسعة بعشرات الصواريخ والمسيّرات استهدفت غرف العمليات والقيادة والسيطرة ومخازن الأسلحة ومواقع الفرقة السادسة طوارئ في الطوال ومنصات الإطلاق في معسكر الدغارير ومواقع أخرى بجيزان، وأسفرت عن مصرع وإصابة المئات وتدمير مخازن أسلحة، وهذا التكتيك يهدف إلى تفكيك قدرة العدو على التحشيد وشل قدرته على إعادة بناء خطوط الهجوم، وتحويل تواجده على الحدود من ورقة ضغط إلى عبء لوجستي وأمني.
وفي المقابل، تواصل السعودية نهجها العدواني بشن أكثر من 1059 غارة جوية منذ بدء التصعيد وحتى اليوم، استهدفت مأرب وصعدة والحديدة وتعز والجوف والبيضاء، وخلفت شهداء وجرحى بينهم نساء وأطفال، غير أن هذا القصف فقد قيمته العسكرية تماماً عندما بات يرتد بصورة ضربات مسددة تطال شريان الاقتصاد السعودي، وهذا الواقع يضع الرياض في مربع الإنهاك البطيء وأمام مأزق مركب، فطموح بناء نموذج اقتصادي جديد يقوم على جذب الاستثمارات ورؤية 2030 لا يستقيم مع واقع أمني هش تتطاير فيه الصواريخ فوق العاصمة والمنشآت النفطية، مما يدفع رأس المال الأجنبي إلى التردد والهروب.
ويبرز الحصار الملاحي الذي تفرضه القوات المسلحة اليمنية كعنصر حاسم، مع عجز تام للتحالفات العسكرية عن حماية السفن المرتبطة بالعدوان أو تأمين حركة الإمدادات وهذا العجز يرسل رسالة واضحة بأن الاتكال على الحماية الخارجية الأمريكية لم يعد يجدي نفعاً، خصوصاً مع أزمة استنزاف مخزون صواريخ الباتريوت والثاد التي تحتاج لأشهر طويلة لتعويضها، مما دفع واشنطن للانكفاء وترك حلفائها في مواجهة مكشوفة، وما حدث في التاسع عشر من سبتمبر يمثل نهاية فصل طويل وبداية فصل آخر والافتراض الذي قامت عليه الحرب لاثني عشر عاماً انتهى.
اليوم، العاصمة التي كان يُفترض أنها الأكثر تحصيناً أصبحت جزءاً من مسرح العمليات، والمنشآت التي تمثل عماد الاقتصاد باتت في دائرة الاستهداف. اليمن الذي فُرض عليه الحصار لسنوات، يفرض اليوم حصاراً مضاداً، وهنا فقد تشكلت أركان معادلة ردع يمنية متكاملة ضرب مراكز القيادة على الحدود، وضرب المفاصل الحيوية في العمق، وفرض الحصار الملاحي في البحر الأحمر وباب المندب.
ولن يكون بمقدور أي قوة إقليمية أو دولية أن تجرد اليمن من هذه الأوراق إلا عبر الاستجابة لمتطلبات الاستقرار الحقيقي التي حددها وقف العدوان، ورفع الحصار كلياً، والاعتراف باليمن كرقم صعب وفاعل أساسي في صياغة أمن المنطقة.