يجتهد النظام السعودي في البحث عن ثغرة لحشد المواقف الدولية، لكنه يصطدم في كل مرة بالفشل، لتتأكد عزلته ووقوفه وحيدا في مواجهة ورطة اليمن ومع تنامي تأثير الحصار الذي تفرضه القوات المسلحة اليمنية على ملاحته،
يزداد شعوره بأن ملياراته التي ضخها في الخزينة الأمريكية وشراء المواقف لم تسعفه من المنزلق الذي يهز مكانته الاقتصادية ويهدد مستقبله.
لقد استعان العدو السعودي بشكل مباشر بأمريكا وبريطانيا لشن عمليات ضد الشعب اليمني، لكنه فشل في تسخيرهما، فلجأ إلى تدويل المأزق عبر الدعوة لتشكيل تكتل دولي للملاحة في البحر الأحمر وهي محاولة بدت قاصرة، لأن العالم بات يدرك أن ما زرعته الرياض من قناعات حول تهديد الملاحة بسبب سيطرة اليمن على باب المندب، يتعارض مع سلوك اليمن المشهود الذي يؤكد أن تحركاته تأتي في إطار استعادة السيادة وحق الدفاع عن النفس.
فإلى جانب تأكيدات صنعاء المتواصلة بأن حرية الملاحة الدولية في باب المندب مكفولة لكل دول العالم باستثناء ملاحة العدو السعودي والإسرائيلي والأمريكي حتى وقف العدوان ورفع الحصار، كانت حركة المضيق تشهد مرورا طبيعيا للسفن من مختلف الجنسيات، وهو ما نسف رواية التخويف، كما شهدت أروقة مجلس الأمن مواجهة سياسية حادة حول التطورات في الساحل الغربي وسيطرة القوات المسلحة على جزيرة ميون الاستراتيجية وباب المندب وكثفت الرياض جهودها لتأطير المعركة بعيدا عن جوهرها السيادي عبر خطاب يزعم تهديد حرية الملاحة وضرب سلاسل الإمداد.
غير أن نتائج الجلسة التي عقدت بطلب سعودي أمريكي بعد طرد التحشيدات من الساحل الغربي، لم تكن في مستوى التحشيد، فافتقر المبرر لأي سند قانوني، وفشلت قوى الشر السعودية الأمريكية البريطانية الفرنسية الإسرائيلية في فرض رؤيتها، وجاءت المواقف عمومية وعائمة، لتكشف أن أدوات التهويل لم تعد قادرة على إعادة عجلة الميدان إلى الخلف، وأن منطق الهيمنة الأمريكية يصطدم بجدار الحقائق الجغرافية والعسكرية.
لقد حاولت الرياض انتزاع قرار أممي يدين تواجد القوات المسلحة في ساحلها الغربي وجزيرة ميون تحت عنوان حماية السلامة البحرية، لكن مداولات المجلس كشفت انشطارا حادا، ففي حين حاولت واشنطن ولندن التركيز على ملف السفن والمطالبة بالعودة لما كان عليه الوضع سابقا، رفضت موسكو وبكين الانصياع لاستخدام المجلس كأداة لتغطية الفشل الميداني، وأكدتا أن جذور الأزمة في العدوان نفسه، ودعتا إلى مسار سياسي وتجنب التصعيد، فخرجت الجلسة دون قرار أو بيان ملزم، واقتصرت على إحاطات قلقة، في صفعة دبلوماسية للرهان السعودي.
إن محاولة استدعاء اتفاقية قانون البحار وحق المرور العابر باتت مكشوفة وتكشف ازدواجية المعايير، فواشنطن لا تدافع عن الملاحة كمبدأ، بل عن هيمنتها البحرية التي تضمن حركة أساطيلها وحماية إسرائيل، بينما الأصل السيادي والتاريخي أن الدول المشاطئة للمضايق، حين تتعرض لعدوان وحصار، من حقها الطبيعي الاحتكام لموقعها الجغرافي كأداة ردع وضغط، وأن عزل المضايق عن تداعيات الحروب منطق استعماري لتجريد المدافع من أوراق قوته.
وقد أثبتت الوقائع أن المعركة لم تعد تدار ببيانات التهديد، بل بالصمود والتواجد الميداني، فمنذ دخول أمريكا في مواجهة مباشرة لحماية الملاحة الإسرائيلية، ظهرت حدود قوتها البحرية، وفشلت تحالفاتها كحارس الازدهار وأسبيدس في تحييد المسيرات والصواريخ الساحلية، ما أدى لإعادة تموضع قواتها.
وما يحدث في باب المندب اليوم له دلالتان واضحتان، الأولى يمنية ترتبط بتغير ميزان القوى وإسقاط مواقع كانت خاضعة للتوجيهات السعودية، والثانية إقليمية تتمثل في دخول باب المندب كورقة ضغط استراتيجية في مواجهة محور الشر. فدخول القوات المسلحة إلى ذوباب وجزيرة ميون منح اليمن سيطرة فعلية على واحدة من أخطر نقاط الاختناق البحرية في العالم، وفاقم مأزق الصادرات السعودية التي كانت تعتمد على موانئ البحر الأحمر لتجاوز هرمز، كما أن موقع ميون في أضيق نقطة يمنح القوة المتمركزة فيها قدرة متقدمة على المراقبة وتتبع حركة السفن والتحكم بمسارات العبور بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي.
وفي المقابل، ظلت حركة التجارة الدولية آمنة باستثناء ملاحة العدو السعودي الخاضعة للحصار ردا على الحصار على اليمن، تأكيدا أن استقرار سوق النفط مرتبط برفع الحصار عن شعبنا، كما أن فشل محاولة استصدار قرار أممي يدين اليمن في باب المندب يعيد أطراف العدوان إلى حجمهم الطبيعي، ويؤكد أن قواعد اللعبة تصاغ في الميدان لا في أروقة المنصات الدولية، فالسيطرة على ميون وذوباب وباب المندب أصبحت واقعا يصعب تغييره ببيانات صحفية.
لقد تحول باب المندب من ممر تحت المظلة الغربية المحمي بالبوارج وحاملات الطائرات، إلى ممر سيادي يدار بإرادة يمنية كاملة قادرة على حماية أمن الملاحة كحق سيادي بدلا من التواجد الأجنبي، ومع تطور القدرات الردعية وصلابة الإرادة، بات على التحالف السعودي الأمريكي أن يدرك أن أمن الملاحة الحقيقي يبدأ بوقف العدوان والحصار بشكل شامل، وأن الجغرافيا اليمنية أصبحت رقما صعبا لا يمكن تجاوزه في معادلات الأمن الإقليمي والدولي، وأن أحلام الهيمنة ستتكسر على صخرة السيادة اليمنية