تمثل الأولويات الوطنية محورًا أساسيًا في نموذج العمل التنموي المتكامل، وتتمثل في توفير الغذاء والدواء والكساء، باعتبارها من الضروريات الأساسية لحياة الإنسان، ومن مقومات استقرار المجتمع وقوته.
فامتلاك القدرة على إنتاج الاحتياجات الأساسية لا يرتبط بالجانب الاقتصادي وحده، وإنما يشكل أساسًا للاستقلال والحرية، ويعزز قدرة المجتمع على العيش بعزة وكرامة، بعيدًا عن الارتهان للخارج في احتياجاته الأساسية.
ومن هذا المنطلق، فإن التوجه نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء والدواء والكساء يمثل أولوية وطنية، تتطلب توجيه الموارد والإمكانات نحو الإنتاج المحلي، وتفعيل المشاركة المجتمعية، ودعم الجمعيات التعاونية الزراعية متعددة الأغراض، وتشكيل المجموعات الإنتاجية، وتفعيل الإرشاد المجتمعي، والعمل وفق سلاسل القيمة، وتطوير الزراعة التعاقدية، بما يحقق التكامل بين مختلف مراحل الإنتاج، من توفير المدخلات إلى التصنيع والتسويق والاستهلاك.
وكما أوضحنا في الحلقات السابقة، يقوم نموذج العمل التنموي المتكامل على التنمية القائمة على هدى الله، والمشاركة المجتمعية، والتنمية المستدامة، والاستفادة من الموارد والإمكانات المحلية؛ بما يجعل التنمية عملية متكاملة ترتبط باحتياجات الناس وتخدم أهداف المجتمع في البناء والنهوض.
يأتي الغذاء في مقدمة الأولويات الوطنية، باعتباره أساس الحياة، ولذلك فإن تحقيق الاكتفاء الغذائي يبدأ من الأرض، ومن دعم المزارع وزيادة الإنتاج المحلي، وتنظيم جهود المنتجين من خلال الجمعيات التعاونية الزراعية متعددة الأغراض والمجموعات الإنتاجية، خصوصًا في محاصيل الحبوب، وفي مقدمتها القمح والذرة بأنواعها الرفيعة والشامية والشعير، مستفيدين من التنوع البيئي والمناخي الذي تتميز به اليمن.
وتسهم الجمعيات التعاونية الزراعية متعددة الأغراض في تنظيم المزارعين وتوحيد جهودهم، وتوفير احتياجات الإنتاج، وتسهيل الحصول على الخدمات الزراعية، والمساهمة في التسويق وربط المنتجين بمختلف حلقات سلسلة القيمة، فيما تساعد المجموعات الإنتاجية على تجميع جهود المزارعين حول أنشطة ومحاصيل إنتاجية محددة، بما يعزز الإنتاجية ويخفض التكاليف ويفتح فرصًا أوسع للتسويق والاستثمار.
ورغم أن الفجوة بين إنتاج القمح والاحتياج لا تزال كبيرة، فإن هناك فرصًا واسعة لتقليصها من خلال التوسع الرأسي ورفع إنتاجية وحدة المساحة، واستخدام البذور الجيدة ذات الإنتاجية المرتفعة، بما فيها البذور المحسنة، إلى جانب غربلة البذور وتنقيتها. وقد أثبتت التجارب أن عملية الغربلة يمكن أن تسهم في زيادة كميات الإنتاج بنسبة تصل إلى 30٪، ما يجعل الاهتمام بجودة البذور وغربلتها أحد المسارات المهمة لرفع الإنتاج.
كما أن زيادة الإنتاج تتطلب تكامل مجموعة من الممارسات الزراعية، منها استخدام الميكنة الزراعية، والالتزام بالمواعيد الزراعية، وتعزيز الإرشاد الزراعي والإرشاد المجتمعي، والاستفادة من الخبرات والمعارف المحلية لدى المزارعين، والتوسع في أساليب الري الحديث، والاهتمام بالزراعة المطرية في المرتفعات، بما يحقق أفضل استفادة من الموارد المتاحة.
ويمثل الإرشاد المجتمعي أحد المسارات المهمة في نقل المعارف والخبرات الزراعية إلى المزارعين داخل مجتمعاتهم، وتعزيز قدرتهم على تطبيق الممارسات الزراعية السليمة، بما في ذلك اختيار البذور الجيدة، والالتزام بالمواعيد الزراعية، وتحسين أساليب الري، ومكافحة الآفات، ورفع الإنتاجية. كما يسهم في تعزيز دور المزارعين ذوي الخبرة في نقل المعرفة وتبادل التجارب، بما يجعل المجتمع شريكًا فاعلًا في العملية التنموية.
وتبرز محافظة الجوف كنموذج واعد في إنتاج القمح، لما تمتلكه من أراضٍ واسعة وخصبة ومقومات زراعية كبيرة، ومع استمرار التوسع في زراعة القمح فيها من عام إلى آخر، يمكن أن تعزز مكانتها بوصفها إحدى أهم مناطق إنتاج القمح في اليمن، وصولًا إلى الإسهام في تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي.
ولا يقتصر تحقيق الاكتفاء الغذائي على زيادة الإنتاج، وإنما يتطلب أيضًا دعم المنتج المحلي من جانب المستهلك؛ فالتوجه إلى شراء الحبوب البلدية وخلطها مع القمح المستورد، ولو بنسبة تتراوح بين 10 و20٪، يسهم في تشجيع الإنتاج المحلي، وفي الوقت نفسه يمكن أن يساعد في خفض فاتورة الاستيراد بنسبة تصل إلى 20٪.
أما البقوليات، فهي جزء أساسي من منظومة الأمن الغذائي، ما يستدعي التوسع في إنتاجها من خلال الممارسات الزراعية الحديثة، واستخدام البذور المحسنة والنظيفة، ورفع إنتاجية الهكتار؛ لتقليص الفجوة بين الإنتاج والاحتياج، مع الاستفادة من الجمعيات التعاونية والمجموعات الإنتاجية في تنظيم زراعتها وتسويقها وتعزيز حضورها في السوق المحلية.
وتأتي الثروة الحيوانية ضمن الأولويات المهمة لتحقيق الأمن الغذائي، فهي مصدر أساسي للحوم والحليب ومشتقاته، كما تمثل موردًا اقتصاديًا مهمًا للأسر الريفية. ومن هنا تبرز أهمية حمايتها من الذبح الجائر للإناث وصغار المواشي، والاهتمام بالرعاية البيطرية ومكافحة الأمراض والآفات، بما يحافظ على القطيع ويضمن استدامة إنتاجه.
وفي هذا الجانب، من المهم إعادة إحياء ثقافة تربية الثروة الحيوانية التي كانت سائدة لدى الآباء والأجداد؛ حيث كان لا يكاد يخلو بيت يمني من الأغنام أو الماعز أو الأبقار، وكانت تربية المواشي جزءًا من حياة الأسرة ومصدرًا للغذاء والدخل. والعودة إلى هذا النمط والتوسع فيه وفق أساليب حديثة يمكن أن يسهم في توفير اللحوم والحليب ومشتقاته، وتعزيز دخل الأسر ودعم الاقتصاد الريفي.
ويمثل قطاع الألبان نموذجًا مهمًا للاستفادة من الإنتاج المحلي، وقد أثبتت تجربة سلسلة الألبان في تهامة خلال العامين الماضيين إمكانية تحقيق نتائج ملموسة؛ إذ وصلت كميات الحليب التي يتم جمعها من المواطنين إلى قرابة 200 ألف لتر يوميًا، وأسهم ذلك في خفض فاتورة الاستيراد بنسبة 5٪. وهذا النجاح يفتح المجال أمام التوسع في التجربة ونقلها إلى محافظات أخرى، وصولًا إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من الحليب ومشتقاته.
كما ينبغي إعادة الاعتبار إلى تربية الدواجن البلدية، التي كانت جزءًا من الحياة والإنتاج داخل الأسرة اليمنية، والعمل على التوسع فيها لتوفير اللحوم البيضاء والبيض، وتحسين دخل الأسر، ودعم الاقتصاد الريفي، وتوفير جزء من احتياجات السوق من الإنتاج المحلي.
وفي مجال الدواء، يأتي العسل في مقدمة الموارد التي تتميز بها اليمن، كونه شفاءً للناس وغذاءً مباركًا، ومع زيادة أعداد خلايا النحل والإنتاج، تبرز أهمية تطوير الاستفادة منه في الصناعات الدوائية والعلاجية، بما يرفع قيمته الاقتصادية ويفتح مجالات جديدة أمام المنتجين.
كما تزخر البيئة اليمنية بالنباتات الطبية والعطرية، وهو ما يستدعي الاهتمام باستزراعها وتنميتها، وتطوير عمليات جمعها واستخلاص المواد الفعالة منها، وصولًا إلى تصنيع منتجات دوائية وعلاجية محليًا، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز الاقتصاد المحلي.
وفي مجال الكساء، تبرز أهمية إعادة الاعتبار إلى زراعة القطن، وربطها بسلسلة إنتاج متكاملة تشمل المحالج ومصانع الغزل والنسيج، وصولًا إلى إنتاج المنسوجات والملابس محليًا.
كما يمكن الاستفادة من الصوف الناتج عن الأغنام والجلود الطبيعية بوصفها مواد أولية تدخل في صناعة المنسوجات والمنتجات الجلدية، بما يزيد القيمة المضافة للمنتجات المحلية، ويوفر فرص عمل، ويحرك عجلة الاقتصاد.
وهكذا، فإن الغذاء والدواء والكساء ليست قطاعات منفصلة، وإنما تمثل حلقات مترابطة في نموذج العمل التنموي المتكامل، تبدأ من الإنتاج المحلي، وتمتد إلى التصنيع والتسويق، وتنتهي بتلبية احتياجات المجتمع.
فالاكتفاء الذاتي ليس مجرد هدف اقتصادي، وإنما مسار نحو الاستقلال والحرية والعيش بعزة وكرامة؛ وكلما امتلك المجتمع القدرة على إنتاج غذائه ودوائه وكسائه، أصبح أكثر قدرة على حماية قراره واستقلاله، وأقل اعتمادًا على الخارج.
ومن هنا، فإن العمل على تنفيذ الأولويات الوطنية يمثل ضرورة لبناء اقتصاد إنتاجي مستدام، وتعزيز الصمود والثبات، وتقليل الاعتماد على الخارج، والتحرر من الاستعمار الغذائي، وتحويل الإمكانات المحلية إلى قوة إنتاجية تخدم الإنسان والمجتمع.