نموذج العمل التنموي المتكامل: التنمية المستدامة.. ( الحلقة الثالثة)

نموذج العمل التنموي المتكامل: التنمية المستدامة.. ( الحلقة الثالثة)

الزيارات: 24

بعد أن تحدثنا في الحلقتين السابقتين عن مبادئ العمل التنموي، وفي مقدمتها التنمية القائمة على الهدى والمشاركة المجتمعية الواسعة، ننتقل في هذه الحلقة إلى إحدى أهم سياسات العمل التنموي، وهي التنمية المستدامة.

وتعني التنمية المستدامة، في أبسط معانيها، أن نلبي احتياجات المجتمع اليوم، دون أن نستنزف الموارد أو نضر بالبيئة، بما يحرم الأجيال القادمة من حقوقها في هذه الموارد.
وتقوم التنمية المستدامة، في نموذج العمل التنموي، على ثلاثة أبعاد متكاملة؛ اجتماعي يوفر الخدمات الصحية والتعليمية والمياه والطرق، ويعزز التكافل والمبادرات المجتمعية، واقتصادي ينمي الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية والتصنيع، ويوفر فرص العمل، وبيئي يحافظ على المياه والتربة والأشجار والتنوع والتوازن البيئي.
ومن هذا المنطلق، فإن أي عمل أو تحرك ميداني يضر بالبيئة أو يهدد مستقبل الأجيال لا يمكن اعتباره عملاً تنموياً مستداماً. فعندما يُنفذ مشروع ما على حساب البيئة، فإنه يفقد أحد أهم مقومات استدامته. فمشروع الطريق الذي يمر وسط الأراضي الزراعية، ويقتلع الأشجار، ويغير طبيعة الأراضي ومجاري السيول، لا يعد مشروعاً تنموياً بالمعنى المستدام. وكذلك المصنع الذي يُبنى بالقرب من المدن، وتتسبب انبعاثاته في تلوث الهواء، أو تخرج منه مخلفات صلبة وزيوت تضر بالبيئة، لا يمكن أن يحقق تنمية مستدامة. وينطبق الأمر ذاته على مياه الصرف الصحي للمدن والمصانع التي تُصرف في البحر وتلحق الضرر بالبيئة البحرية.
وبالمثل، فإن المشاريع الاقتصادية غير المستدامة لا تحقق التنمية المنشودة؛ فمثلاً، توزيع القوارب وشباك الصيد دون ضوابط ورقابة، ومن دون إجراءات لحماية الثروة السمكية وصغار الأسماك ومواسم التكاثر، قد يزيد الإنتاج على المدى القصير، لكنه يهدد الموارد السمكية على المدى البعيد، وبالتالي لا يمكن اعتباره مشروعاً تنموياً مستداماً.
ومن الأعمال التي تضر بالبيئة وتهدد استدامة الموارد أيضاً ذبح إناث المواشي وصغارها، لأن ذلك يحرم الأجيال القادمة من الاستفادة من الثروة الحيوانية، ويهدد نموها واستمرارها، وقد يحول البلد من الاكتفاء إلى الاستيراد. وكذلك فإن قطع الأشجار والاحتطاب الجائر يدمران البيئة، ويسهمان في التصحر وجرف التربة، ويحرمـان النحل من المراعي ومصادر التغذية، ويهددان التنوع الحيوي.
وعند تنفيذ مشاريع لاستصلاح الأراضي الزراعية والتوسع فيها، من دون مراعاة لمعدلات استنزاف المياه أو تنظيم عمليات الحفر واستخدام الموارد المائية، فإن ذلك لا يمت إلى التنمية المستدامة بصلة؛ بل يؤدي إلى استنزاف المياه، ويهدد حق الأجيال القادمة في الحصول على مياه كافية للشرب والاستخدامات المختلفة.
كما أن أي مشروع اقتصادي يؤدي إلى تسرب الطلاب من التعليم وتركهم الدراسة، أو يهدد صحة الإنسان ويسهم في انتشار الأمراض بين أفراد المجتمع، يبتعد عن أهداف التنمية الحقيقية. وفي المقابل، ينبغي أن يكون للابتكار والطاقة النظيفة والمتجددة مكان أساسي في المشاريع التنموية، إلى جانب الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة بما يسهم في رفع الإنتاجية وتحسين الخدمات، دون أن يؤدي ذلك إلى زيادة البطالة أو إقصاء الأيدي العاملة.
ومن هنا، يتوجب أن ترتبط جميع المشاريع التنموية بمفهوم الاستدامة، وألا تضر بالمستقبل أو تخل بالبيئة والطبيعة التي خلقها الله. كما ينبغي أن تراعي هذه المشاريع الأبعاد الثلاثة للتنمية: الاجتماعي والاقتصادي والبيئي، وأن تسهم في خفض فاتورة الاستيراد، ورفع معدلات الالتحاق بالتعليم، وخفض نسبة الأمية بين النساء والشباب، وتحسين الوضع المعيشي لأبناء المجتمع.
فالتنمية المستدامة ليست أن نبني اليوم ونستهلك المستقبل، وإنما أن نبني اليوم دون أن نهدم الغد.
وهذا هو جوهر التنمية القائمة على الهدى والمشاركة المجتمعية الواسعة: تنمية تعمر الأرض، وتصون الإنسان، وتحرك الاقتصاد، وتحمي البيئة، وتبني قدرة المجتمع، وتحفظ للأجيال القادمة حقها في الموارد والخيرات

طباعة