في ميادين المواجهة لا تُحسم السيادة بالشعارات، بل بالفعل وبقدرة الطرف على نقل كلفة العدوان إلى المعتدي، ومن هذا المنطلق فرضت القوات المسلحة اليمنية معادلة ردع جديدة في جبهات مأرب والساحل الغربي، كان أبرز تجلياتها طائرة "رجوم" المسيرة محلية الصنع التي تحولت إلى كابوس يلاحق تحشيدات العدو السعودي ومرتزقته.
"رجوم" ليست طائرة استطلاع تقليدية، بل صُممت خصيصاً لطبيعة الجغرافيا اليمنية المعقدة ومتطلبات المعارك البرية الحديثة، لتجمع بين ميزتين قاتلتين الرصد الدقيق والتنفيذ الهجومي الخاطف، ويعود تفوقها إلى ثلاثة عوامل رئيسية:
1- دقة متناهية في الرصد والتوجيه: منظومة ذكية تتعامل مع الأهداف المتحركة والثابتة، وتتجاوز أساليب التمويه والانتشار التي يعتمد عليها المرتزقة.
2- حمولة تدميرية مركزة: رغم حجمها المرن، تحمل ذخائر قادرة على إحداث أضرار بالغة في التدريع العسكري، ما جعلها مثالية لاصطياد المدرعات وناقلات الجند.
3- تكامل عملياتي: لا تعمل بمعزل، فهي تتويج لعمل استخباراتي واسترشاد إلكتروني وبشري دقيق يسبق كل ضربة، ويضمن أعلى نسب إصابة.
المشاهد التي بثها الإعلام الحربي كشفت حجم الخسائر التي تلقتها فصائل الارتزاق عندما استهدفت "رجوم" بدقة شريان الحركة الأساسي للعدو:
- الجرافات العسكرية: شلّ استهدافها قدرة القوات المهاجمة على فتح الطرقات وإزالة السواتر، فتوقفت المناورة.
- المدرعات والدبابات: تحولت أعداد منها إلى كتل حديد محترق، وفقد المرتزقة غطاءهم الناري والحماية المدرعة.
- ناقلات الجنود والآليات المسلحة: تلقت ضربات مباشرة فككت قدرة التحشيد على الحركة السريعة والإمداد، وخلقت حالة هلع وفرار جماعي.
التقارير الميدانية تؤكد أن هذه الضربات أحدثت انهياراً معنوياً غير مسبوق، فبعد أن كانوا يظنون تحصيناتهم آمنة، أدركوا أن التصنيع الحربي اليمني يلاحقهم في كل زاوية، وأن أي تحرك لآلياتهم يجعلها هدفاً استراتيجياً، حتى تكتيكات التمويه والتخفي لم تنفع، فقد كشفت المشاهد تفوق أدوات الاستطلاع اليمني في رصد الأطقم المختبئة تحت الأشجار، لتباغتها "رجوم" من الأعلى بإصابات مباشرة..لم تقتصر المعادلة الجديدة على الطائرات المسيرة، فضمن عمليات الرد على التحشيدات السعودية، نشر الإعلام الحربي مشهداً نوعياً لاستهداف اجتماع لعدد من قيادات المرتزقة أثناء إدارتهم للعدوان، حيث وثق المشهد عملية رصد دقيقة بطائرة استطلاعية، تلتها ضربة صاروخية مناسبة أصابت الهدف بدقة عالية وأسفرت عن تدمير كامل لعربات مدرعة ومصرع كل من كان على متنها..هذه الضربة تمثل ذروة دورة "رصد - قرار - تنفيذ" قصيرة جداً، حيث تبدأ بالتتبع الجوي والبشري المستمر، مروراً بتحليل البيانات وتحديد نقطة التمركز القيادية، وصولاً إلى اتخاذ قرار الإطلاق في أسرع زمن ممكن وهذه القدرة على اختصار الفجوة الزمنية تحرم العدو من فرصة المناورة أو الإفلات، وتكشف عن تنسيق عالٍ بين العقل الاستخباراتي والذراع العسكري.
المشاهد عكست تطوراً نوعياً في منظومات التوجيه والتحكم بالصاروخ اليمني، فقد تحول من سلاح تدميري عشوائي إلى "قناصة بالستية" أو "إبرة جراحية" تصيب النقطة الأشد حساسية، وحسب خبراء عسكريين، يعتمد هذا النجاح على نظم ملاحة متقدمة قادرة على التغلب على التشويش الالكتروني والتعامل مع الظروف الجوية المتقلبة، وبالتالي كانت النتيجة هي تحويل التحشيدات والمراكز القيادية إلى هشيم متناثر بضربة واحدة لا تترك مجالاً للهرب، والأهم من التدمير المادي، هو الأثر الاستراتيجي، فاستهداف "رأس القيادة" يحدث إرباكاً في غرف العمليات، ويقطع حلقة التواصل بين القيادة الميدانية والقواعد التنفيذية، فيولد فوضى وذعراً، ويفقد المجموعات المحشدة قدرتها على التنظيم.
الرسالة واضحة وهي أن الرهان على التحشيدات والعتاد المتطور يرتطم بجدار من الكفاءة والتطور الاستخباري والتكنولوجي الذي بات يمتلكه الجيش اليمني وعندما تكون "رجوم" طائرة محلية الصنع بالكامل في ظل الحصار، فهذه معجزة ودليل أن القرار الوطني المستقل قادر على صناعة الفارق..مع كل ضربة تسددها "رجوم" في مأرب أو الساحل، يتساقط الوهم السعودي بأي مكسب ميداني وتثبت القوات المسلحة اليمنية يوماً بعد يوم أنها تمسك بزمام المبادرة وتصنع معادلات النصر، ومعادلة الردع لا تُبنى بالطائرات وحدها، بل تتأسس على منظومة متكاملة من الإرادة والوعي والاستعداد، فالسيادة التي لا تحميها القدرة على الردع تظل عرضة للانتهاك، والنصر لا يبدأ من امتلاك السلاح فقط، بل من امتلاك الإرادة التي تحسن استخدام القوة في خدمة الوطن.
اليوم انتقلت المبادرة وإدارة الميدان إلى يد من يحوّل البيانات الاستخباراتية إلى ضربات حاسمة، وأصبح الميدان مساحة مكشوفة تحكمها دقة الصواريخ وسرعة القرار، وجعلت من أي تحشيد معادي مخاطرة غير محسوبة العواقب.