اليمن وغزة ولبنان جبهة صمود واحدة في وجه مشاريع الهيمنة والطغيان

اليمن وغزة ولبنان جبهة صمود واحدة في وجه مشاريع الهيمنة والطغيان

الزيارات: 32

في مشهد إقليمي يغص بالدماء، حيث تغتال طائرات الكيان الصهيوني الأطفال في غزة، وتحرق النيران بيوت لبنان، وتُسحق المدن اليمنية تحت وطأة حرب بالوكالة، تتكشف حقيقة واحدة لا تقبل الجدل:

الدم الذي ينزف في هذه الساحات الثلاث هو دم واحد، والعدو الذي يقف خلف هذا النزيف هو عدو واحد، والجبهة التي تجمعها هي جبهة لن تُهزم.
ما يجري اليوم في غزة ولبنان واليمن ليست صراعات منعزلة، بل حرب وجودية مكشوفة على مشروع المقاومة في المنطقة، ومحاولة لإعادة هندسة الشرق الأوسط وفق رؤية أمريكية – إسرائيلية، قوامها تفتيت الجبهات، وتجفيف منابع الإسناد، وفرض واقع أمني جديد بالقوة الغاشمة.
وفي خضم هذا التصعيد، يبرز اليمن كفاعل إستراتيجي لا يمكن تجاهله، بعد أن تحول من هامش الصراع إلى مركز ثقل في معادلة الأمن البحري والردع الإقليمي. لكن السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن قراءة الدور اليمني في هذا السياق، وما هي التداعيات على الأمن القومي والإقليمي؟

المحور الأول: اليمن – ساحة بالوكالة عن أمريكا وإسرائيل بغطاء سعودي
ما لم يقل بوضوح في الأروقة الدبلوماسية، أن التدخل السعودي في اليمن، منذ اليوم الأول، لم يكن لحماية الشرعية أو استعادة الدولة، بل لتأمين المصالح الأمريكية – الإسرائيلية في جنوب الجزيرة العربية، وتفكيك أي نواة مقاومة قادرة على تهديد الملاحة أو الإمدادات العسكرية للكيان.
لقد حوّلت الرياض اليمن إلى مختبر مفتوح لجميع انواع الأسلحة، بغطاء جوي سعودي – إماراتي، وتمويل أمريكي – بريطاني، ليس لإنهاء الصراع، بل لإجهاض أي مشروع وطني مستقل، وتجفيف منابع القوة التي يمكن أن تنحاز إلى فلسطين.
ومع اندلاع طوفان الأقصى، انكشف القناع بالكامل: فـأنصار الله، بموقفهم المساند لغزة، أصبحوا العقبة الإستراتيجية الأكبر أمام المشروع الإسرائيلي – الأمريكي في المنطقة، ليس فقط في اليمن، بل في ممرات الملاحة العالمية، ما جعل السعودية تتحول عملياً إلى ذراع عسكرية ولوجستية لهذا المشروع، تحت شعار "حماية الأمن الإقليمي".
اليوم، الحرب في اليمن لم تكن "حرباً أهلية" كما يروج لها إعلام العدو؛ بل هي مواجهة مكشوفة بين مشروع المقاومة ومشروع الهيمنة، وإذا كانت الرياض تظن أنها تحارب في اليمن لصالحها، فهي في الحقيقة تخدم أجندة واشنطن وتل أبيب، وتُحمّل اليمن ويلات لا تنتهي.

المحور الثاني: قراءة في هندسة العدوان الإقليمي
العدوان المتزامن على غزة ولبنان يستهدف فصل الساحات وضرب وحدة الميدان، لمنع تشكيل جبهة إسناد موحدة قادرة على فرض معادلات الردع. فإسرائيل لا تريد نصراً عسكرياً فقط، بل تريد إعادة تعريف لمفهوم النصر لصالحها، من خلال:

· تفكيك معادلات الردع التقليدية التي سادت لسنوات.
· إعادة تموضع القوى الإقليمية، عبر إضعاف شبكات المقاومة وإحداث قطيعة جغرافية وسياسية بين جبهات الدعم.
· تمرير مشاريع التطبيع والتكامل الأمني بمرجعية واشنطن، تحت غطاء "اليوم التالي" للحرب.
وفي المقابل، كشفت الأزمة شللاً في مؤسسات النظام الدولي، وتراجعاً في فاعلية القانون الدولي، مقابل تصاعد دور التكتلات الإقليمية والتحركات الفردية للقوى العظمى.

المحور الثالث: خريطة المواقف والأدوار الإقليمية والدولية
تتداخل الأدوار الإقليمية والدولية في إدارة هذا الصراع وفق حسابات إستراتيجية ومصالح متباينة:
· الولايات المتحدة والغرب: دعم عسكري وسياسي مطلق لإسرائيل، مع محاولات ضبط مستوى التصعيد لعدم الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
· محور المقاومة: إسناد متكامل عبر جبهات متعددة، واستراتيجية استنزاف طويلة الأمد، وترسيخ معادلة "وحدة الساحات".
· القوى الإقليمية (مصر، السعودية، تركيا): دبلوماسية حذرة، ومطالبة بوقف إطلاق النار، ورفض مخططات التهجير القسري، مع حرص على استقرارها الداخلي.
· روسيا والصين: دعم سياسي ودبلوماسي، واستثمار الرفض العالمي للسياسات الأمريكية لتعزيز نفوذهما في الجنوب العالمي.

المحور الرابع: اليمن – من الهامش إلى مركز الثقل
أدت المشاركة العسكرية اليمنية في البحر الأحمر والمحيط الهندي إلى تثبيت اليمن كفاعل إستراتيجي لا يمكن تجاوزه في التوازنات الإقليمية. تحولت المنطقة المباشرة لأمن اليمن القومي إلى ساحة صراع دولي، حيث أدى التحالف الدولي الأنجلو-أمريكي إلى زيادة العسكرية في البحر الأحمر، مما يفرض تحديات إستراتيجية على السياسة الخارجية اليمنية.
كما أن أي تقدم في مسار الحل السياسي الشامل في اليمن يرتبط بحالة الاستقرار الإقليمي؛ إذ إن استمرار التصعيد يعرقل فرص التسوية العادلة ويفتح الباب أمام ضغوط واعتداءات خارجية مستمرة.

الخاتمة:
اليمن اليوم أمام امتحان إستراتيجي حقيقي؛ إما أن يبقى ضحية للتوازنات الدولية، أو أن يصبح فاعلاً في تشكيل التوازن الجديد. الخيار الأول يُفقد اليمن مكاسبه الوطنية، والثاني يضعه في قلب المعركة، لكنه يمنحه قوة الردع والمكانة التي طالما سعى إليها.
وما دامت المقاومة في غزة ولبنان واليمن صامدة، سوف يظل اليمن متمسكاً بخياره المساند، فجبهة الدم الواحد لن تُهزم، لأنها ليست مجرد تحالف عسكري، بل مصير مشترك يربط بين شعبٍ أصرّ على العيش حراً كريماً، رغم كل المؤامرات.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً على الأمل: هل يستطيع أبناء غزة ولبنان واليمن أن يكتبوا معاً فصلاً جديداً من تاريخ المقاومة، أم ستظل المنطقة أسيرة لمشاريع التقسيم والهيمنة بسبب من باعوا أنفسهم ودينهم وعروبتهم للشيطان الأكبر أمريكا وإسرائيل؟!

طباعة