الإرهاب الاقتصادي

الإرهاب الاقتصادي

الزيارات: 74

على مر التاريخ الحديث، لم تكن الهيمنة الاستكبارية مجرد بوارج حربية أو أسلحة دمار شامل تُلقى على الرؤوس، بل إن أشد أدوات البطش ضراوة هي تلك التي تُمارس في خفاء الغرف المظلمة وتحت غطاء التشريعات والقرارات المالية الظالمة.

إن الولايات المتحدة الأمريكية، التي تأسست على أشلاء وجماجم سكانها الأصليين" الهنود الحمر" ولم تتورع عن إبادة شعب فيتنام وتدمير أمن العراق ، وسوريا ،والصومال، و أفغانستان واليمن، وشراكتها الكاملة والعلنية بالدعم العسكري والسياسي واللوجستي لجرائم الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني المظلوم، قد طوّرت شكلها الإرهابي ليصبح إرهاباً اقتصادياً عابراً للحدود. إن هذا السلاح الفتاك، القائم على العقوبات والحصار وتجويع الملايين، لم يعد يكتفي باستنزاف المقدرات، بل أضحى أداة قتل بطيء تستهدف تركيع الشعوب الحرة في كوبا وفنزويلا وسوريا، وتحديداً اليوم الشعب الإيراني المسلم المحاصر منذ أكثر من أربعة عقود بتهمة: رفض الوصاية الأمريكية والتمسك بالسيادة والاستقلال، وطرد السفارة الإسرائيلية.ومواقفه الوطنية.
فمنذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، وأمريكا لم تتوقف عن محاولاتها لإسقاط النظام الإيراني بكل الوسائل، وعندما فشلت في ذلك عسكرياً، لجأت إلى الإرهاب الاقتصادي.
اليوم، يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سياسة "الضغط الأقصى" على إيران، حاصراً إياها اقتصادياً، ومهدداً بتدمير منشآتها النفطية، ومحاولاً إجبارها على الاستسلام. لكنه ينسى أن إيران دولة ذات حضارة عريقة، وشعب يرفض الذل، وقادة يعرفون أن الاستسلام يعني فقدان الكرامة، وأن الموت الكريم خير من الحياة تحت الوصاية.
إن الإرهاب الاقتصادي الذي تمارسه واشنطن عبر تجميد الأصول، ومنع تدفق الدواء والغذاء، وتقييد المعاملات البنكية العالمية، ليس مجرد إجراء سياسي عابر، بل هو حرب إبادة صامتة تنتهك أعتى المواثيق الإنسانية والدولية. واليوم، يتوجب على شعوب العالم قاطبة، من الدول التي عانت عقوداً من الاستعمار والنهب، إلى الدول الأوروبية التي بدأت تستشعر مخاطر الانقياد الأعمى لعربدة واشنطن المالي—أن تدرك أن السكوت عن هذا الحصار على إيران يشرع الباب لتكرار السلوك الإجرامي نفسه ضد أي دولة تجرؤ على قول "لا" في وجه الهيمنة. وهنا تقع المسؤولية الكبرى على عاتق دول منظمة التعاون الإسلامي، التي أضحى فرضاً عليها الوقوف صفاً واحداً إلى جانب جمهورية إيران الإسلامية. فالدين الإسلامي الحنيف أرسى دعائم التضامن ونصرة الأخ في محنته، استناداً إلى قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: 72]، والحديث النبوي الشريف الذي يجسد الأخوة الإسلامية: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ»، فضلاً عن المبدأ الأصيل الذي يعيد الأمة إلى ريادتها: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا»، ونصرة إيران اليوم هي نصرة للمظلوم في وجه المستكبر حتى يستعيد المسلمون مجدهم وسيادتهم وقيادتهم للعالم. إن بقاء إيران صامدة هو بقاء لأمل الأمة في التحرر، وسقوطها سيكون فاتحة لسقوط باقي الدول الإسلامية، ولذلك فإن نصرة إيران هي نصرة للإسلام نفسه.
وفي المقابل، يجدر برأس الإدارة الأمريكية والبيت الأبيض، دونالد ترامب، أن يتذكر دروس التاريخ القريبة والبعيدة قبل الإقدام على أي مغامرة غاشمة جديدة ضد إيران؛ فالذاكرة الأمريكية ملطخة بالهزائم والنكبات، وما غرق الإدارات المتعاقبة في مستنقعات فيتنام المتشابكة، وأزقة الصومال، وجبال أفغانستان، وصمود اليمن وكوبا، إلا شواهد حية على أن بطش القوة المالية والعسكرية يتهاوى دائماً أمام إرادة الشعوب الحرة. إن الاستمرار في التصعيد وعدوان الخنق الاقتصادي والعسكري ضد إيران لن يكون مجرد تنشيط لأزمة إقليمية، بل سيغرق واشنطن في مستنقع أعمق وأشمل يهدد بنيان هيمنتها بالكامل وينهي أوهام القطب الواحد إلى غير رجعة مع القيود الأمريكية.
عاشت إيران حرة أبية، والمقاومة حتى النصر، والموت لأمريكا وإسرائيل.

طباعة