الشهيد رضوان الرباعي.. عام على الرحيل وما زال مشروع القائد حياً

الشهيد رضوان الرباعي.. عام على الرحيل وما زال مشروع القائد حياً

الزيارات: 33

تمر الأيام سريعاً، وها هو عام كامل ينقضي منذ استشهاد الدكتور رضوان الرباعي، وزير الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية، الذي ارتقى شهيداً مع رئيس وأعضاء حكومة التغيير والبناء، في الخامس من ربيع الأول 1447هـ، الموافق 28 أغسطس 2025م، إثر العدوان الإسرائيلي الذي استهدفهم.

عامٌ مضى على الفراق، لكن غياب رضوان لم يكن عابراً؛ فقد ترك في النفوس غصة، وفي المؤسسات فراغاً، وفي مسار العمل التنموي أسئلةً كثيرة عن الأفكار والمشروعات التي كان يحملها، وما كان يمكن أن ينجزه لو امتد به العمر.
لقد خسرت اليمن برحيله رجلاً لم يكن يرى الزراعة مجرد قطاع حكومي، بل قضية وطنية ومعركة للتحرر من الارتهان الغذائي. كان يؤمن بأن المزارع الذي ينتج الغذاء يقف في خندق الدفاع عن استقلال القرار الوطني، وأن الغذاء ليس سلعة فحسب، والزراعة ليست مهنة فقط، بل جهاداً، ومن أهم مفاتيح الاستقلال والسيادة؛ فالدولة التي لا تملك غذاءها تبقى رهينة لمن يملك غذاءها.
كان رضوان ناضج الفكر، بعيد النظر، يبحث عن جذور المشكلة لا عن أعراضها، وعن بناء الحلول لا عن إدارة الأزمات. وكان يؤمن بأن التنمية الحقيقية هي التنمية القائمة على هدى الله، التي يشارك فيها المجتمع، وتنبع من احتياجاته وقدراته، وتقوم على استغلال موارده التي وهبها الله.
وخلال فترة قصيرة، ترك بصمات واضحة في الوزارة والقطاع الزراعي، رغم شح الإمكانات وقسوة الظروف. كان قريباً من الميدان، يستمع إلى المزارع والصياد ومربي الثروة الحيوانية، ويرى أن القرار الصحيح يبدأ من فهم الواقع. وكان إدارياً صاحب قرار؛ فإذا اقتنع بصواب موقف، مضى فيه دون تردد، مهما كان الطريق شاقاً.
ولم يتعامل مع مشكلات القطاع الزراعي بوصفها مشكلات إنتاج فقط، بل نظر إلى السياسات والتشريعات والمعايير التي تحكمه. وكان يدرك أن الاكتفاء الذاتي لا يبدأ من الحقل وحده، وإنما من القرار الذي يحدد ماذا نزرع، وكيف ننتج، ومن نحمي، وأين نوجه الموارد، وبمشاركة الجميع.
ومن هنا برزت رؤيته لإدارة فاتورة الاستيراد، وإعادة ترتيب الأولويات، ودعم الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الخارج، انطلاقاً من قناعته بأن اليمن تستطيع إنتاج معظم احتياجاتها.
وكان يؤكد أن الأمن الغذائي ليس مهمة وزارة الزراعة وحدها، بل قضية دولة ومسؤولية مشتركة، تتكامل فيها أدوار المجتمع والوزارات والمؤسسات؛ من الاقتصاد والمالية والنقل والكهرباء، إلى التعليم والإعلام والبحث العلمي والبنية التحتية. فالمزارع يحتاج إلى التمويل والمياه والطاقة والتصنيع والتسويق والنقل والحماية، كما يحتاج إلى إعلام تنموي يساند جهده ويعزز قيمة ما ينتجه.
وهنا تكمن قيمة رضوان الرباعي؛ فقد كان ينظر إلى الزراعة والصيد باعتبارهما منظومة متكاملة، وإلى المزارع والصياد باعتبارهما شريكين في بناء الاقتصاد الوطني، لا مجرد مستفيدين من خدمة حكومية.
لكن الرجل الحازم في العمل كان رقيق القلب في علاقاته الإنسانية. كان يحمل قلباً صافياً، لا يعرف الحقد ولا يحتفظ بالخصومة. قد تختلف معه أو تعارضه، لكن الخلاف عنده لا يتحول إلى عداوة؛ كان يسامح وينسى، ثم يلقاك بوجهه البشوش وروحه الهادئة.
واليوم، بعد عام من رحيله، تقف الذكرى أمامنا ثقيلة. نستعيد الرجل، فنكتشف أننا لا نستعيد سيرة شهيد رحل فحسب، وإنما نستعيد مشروع أمة؛ مشروعاً تنموياً، وأفكاراً، وحلماً كان يريد أن يرى اليمن وهي تستعيد قدرتها على إنتاج غذائها بيد أبنائها.
وفي مثل هذه الذكرى، لا يكفي أن نقول: رحم الله رضوان الرباعي. فالوفاء الحقيقي له لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بأن تبقى أفكاره حية، وأن يتحول حلمه إلى مشروع مستمر، وأن تواصل المؤسسات العمل من النقطة التي توقف عندها رحيله.
ويبقى السؤال: هل سيولد رضوان الرباعي من جديد؟ وليس المقصود هنا أن يعود الرجل ذاته، فقد رحل الجسد وبقي الأثر، وإنما أن تولد من جديد فكرته ورؤيته وشجاعته في اتخاذ القرار، وإيمانه بقدرة اليمن على إنتاج غذائها، وقناعته بأن التنمية مسؤولية مشتركة.
عامٌ مضى على الرحيل، وما زال ألم الفراق حاضراً، وما زالت الحسرة على ما كان يمكن أن ينجزه تؤلم كل من عرف الرجل أو تابع مشروعه.
لكن عزاءنا أن الرجال لا يُقاسون بطول أعمارهم، وإنما بما يتركونه خلفهم. ورضوان الرباعي ترك فكرة، ومشروعاً، وسؤالاً كبيراً عن مستقبل اليمن وغذائها وسيادتها.
وما دامت الفكرة حية، فإن صاحبها لم يغب تماماً. وسيظل الوطن بحاجة إلى رضوان الرباعي جديد؛ يحمل الهم نفسه، والرؤية نفسها، والإرادة نفسها، حتى يتحول حلم الاكتفاء الذاتي من فكرة في عقول المخلصين إلى واقع تراه اليمن بأعينها، وتحصده من أرضها، وتنتجه بأيدي أبنائها.

طباعة