بقلم الاستاذ/ علي أحمد دشفي.
إن الاحتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف لا ينبغي أن يقف عند استحضار السرد التاريخي المجرد او الانسياق العاطفي لسيد البشرية وسيرته العطرة، بل يتطلب غوصاً عميقاً في فلسفة البعثة المحمدية وتفكيكاً لمسار الصراع الوجودي الذي خاضته الرسالة الخاتمة منذ لحظة بزوغها الأولى حتى استقامت منظومةً حضارية غيرت وجه التاريخ وغرست قيم الخير والإيمان في النفوس حتى قيام الساعة. لم تكن البعثة المحمدية مجرد حدث ديني طارئ في صحراء العرب، بل كانت زلزالاً معرفياً وأخلاقياً زلزل البنى المادية والفكرية التي قامت عليها منظومة الاستكبار الجاهلي. لقد واجهت الرسالة في مراحلها الأولى جداراً سميكاً وصلبا من المصالح الطبقية والسيطرة الفكرية التي فرضتها قريش؛ فلم يكن صراع مكة مجرد خلاف على عبادة اصنام صُنعت من الحجارة او التمر، بل كان صراعاً ضد النفعية الجشعة، والاستغلال الطبقي، واستعباد العقول. لقد خاض النبي الأكرم (صلوات الله عليه وعلى آله) والقلة المؤمنة معه أصعب صور التكذيب والحصار والملاحقة في شعب أبي طالب اثناء معارك التأسيس الأولى، وعلى الرغم من اختلال ميزان القوى المادي بشكل مطلق لصالح قوى الشرك، إلا أن الرسالة انتصرت واتسع تأثيرها في كل ارجاء المعمورة لأنها تستمد عوامل بقاءها وديمومتها من قوة اليقين والتأييد الإلهي المطلق، والارتباط بالمبدأ الأزلي الذي يؤكد أن الحق ملزِمٌ بالنصر لذاته ولغيره ولن يصح في نهاية المطاف إلا الصحيح. لقد تهاوت الأدبيات المادية وأدعياء الفكر العبقري عبر التاريخ، وحاول الفلاسفة والمفكرين التنظير لمنظومات أخلاقية وسياسية تدير الوجود الإنساني لكنها ظلت أفكاراً بشرية قاصرة تتهاوى عند أول اختبار عملي، أو انها تتحول إلى أدوات في يد الأقوياء لإستعباد الضعفاء. وفي المقابل، جاءت الرسالة المحمدية بمشروع إيماني أخلاقي وتكامل روحي وتشريعي مطلق، يُعلي من قيمة الكرامة الإنسانية والعدالة الإلهية، حيث اختُزلت الغاية من البعثة في قوله صلوات الله عليه وآله: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». لقد أثبت المسار التاريخي أن القوة المادية لقوى الاستكبار قد تسود في لحظة طغيان، لكنها تحمل في جنباتها بذور فنائها لأنها تفتقر إلى المعيار الأخلاقي، بينما انتصرت الرسالة المحمدية واستقامت جذورها لأنها اعتمدت الهداية والرحمة وإقامة القسط والعدل بين البشر وفقا لنواميس الكون التي فطر الله الناس عليها. تناظر العصرين: من جاهلية مكة إلى استكبار القرن الحادي والعشرين إن التحديات التي تخوضها الأمة اليوم ليست سوى امتدادٍ طبيعي وتكرارٍ دقيق للصراع الذي خاضته الرسالة المحمدية في بداياتها: *تضليل الوعي والحصار*: إن ما تمارسه المنظومات الاستكبارية المعاصرة من حصار اقتصادي، وتشويه فكري، وتصنيف للحق على أنه تمرد، يطابق تماماً الأساليب التي استخدمتها قريش لمنع انتشار الدعوة، تماماً كما عجزت آلهة قريش ونظمها الاجتماعية عن حماية المجتمع المكي من الانهيار الأخلاقي، فشهد عالمنا اليوم إفلاس النماذج الفكرية والغربية التي وعدت الإنسان بالرفاهية لكنها سلبته كرامته وحريته ولازالت تحاول تجريده من انسانيته حتى اليوم بشعارات ثبت بطلانها. ولأن اليمن يشكل امتدادا إيمانيا لنصرة الرسالة في قلب هذا الصراع المعاصر، يتجلى الارتباط الاستثنائي للشعب اليمني بهذه المناسبة الشريفة كموقف إيماني واستراتيجي واعٍ، وما احتشاد الملايين في الساحات والميادين وتزيين المدن ببريق الابتهاج بالنبي الأعظم إلا دليل على ان ارتباطنا بالنبي ليس مجرد مظاهر احتفالية، بل إعلان صريح عن الانحياز التام لمنهج الرسالة الخاتمة، واستلهام مباشر لدروس الصمود الذي خاضه الرسول الكريم من شعب أبي طالب وما تلاها من تحديات فكانت المواجهة بين الكفر والايمان الذي انتصر في كل تلك المواجهات ولازلنا نسير على نهجها حتى اليوم. *إن هذا التمسك التام بالالهوية والهوية الإيمانية يُبرِِز نموذجاً حياً يتحدى كل محاولات التدجين الفكري، ليثبت للعالم أن التمسك بالنهج المحمدي واليقين بانتصار الحق هما طوق النجاة الوحيد لإعادة الأمة إلى موقعها الطبيعي* *"باعتبارنا خيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ*" *الخاتمة*: بين ألق الذكرى في المولد النبوي الشريف وعمق الدرس الفلسفي لمسار البعثة المحمدية يؤكد للأمة أن مخرجها الوحيد من تيه الجاهلية المعاصرة ينطلق من ذات نقطة البداية التي انطلق منها النبي الأعظم والقلة المؤمنة في مكة: يقينٌ راسخٌ بالمبدأ، وثباتٌ لا يتزعزع في مواجهة قوى الطغيان، وتمسكٌ صادق بمكارم الأخلاق. وما هذا التدفق المليوني والصمود الأسطوري للشعب اليمني في إحياء هذه المناسبة ليس سوى العثور على طوق النجاة واستعادةٌ صريحة للكرامة المسلوبة، وهي ايضا رسالة مفتوحة للعالم أجمع بأن أمةً يقودها النهج المحمدي وتستضيء بنور القرآن لن تنكسر أمام العواصف والاخطار، بل ستظل حية، عزيزة ومستمرة في حمل راية الحق حتى يأتي نصر الله والفتح المبين