قضى الحكم محل تعليقنا بعدم جواز الجمع بين دعـوى انعدام الحكم والطعـن فيـه بالنقض أو غيره من الطعـون، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليـا فـي جلستها المنعقدة بتاريخ 28-4-2018م فـي الطعـن رقـم (59469)، الذي ورد ضمن أسبابه:
(أمـا مـا ذكـره الطاعن في السبب السادس وقوله بانعدام الحكم المطعون فيه فغير مقبول، حيث لا يجوز الجمع بين الطعن بالنقض ودعاوى الانعدام حيث لا انعدام مع قيام طرق الطعن الأخرى) ، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم كما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: اختلاف حالات الانعدام وأحكامـه وإجراءات وطريقة مواجهتـه مـع إجراءات الطعن وحالاته:
الانعدام وصـف قـانـونـي يلحـق العمل القضائي ويجعلـه مجـرداً مـن جميـع آثـاره الشرعية والقانونية حسبما عرفتـه المـادة ( 55 ) مرافعات، ولذلك فقـد حـدد القانون وسائل مواجهة الحكم المنعدم عن طريق الدفع بالانعدام أو دعـوى الانعدام حسبما هو مفصل في المادة ( 57 ) مرافعات، فالانعدام من اسمه يعني عدم وجود الحكم لصدوره من غير ذي ولاية أو عدم توفر أركانه، ولذلك تختلف أحكامه وإجراءات و طريقة مواجهته، فالحكم المنعدم ليس حكماً ولا يرتب أي أثر من آثار الحكم، في حين أن الطعن بالحكم يواجه حكم موجود له آثاره القانونية والشرعية، فلو لم يطعن به لصار نهائياً واجب التنفيذ، ولذلك فقد حدد قانون المرافعات إجراءات ومواعيد الطعـن حـالات الطعـن وإجراءات الطعـون ومواعيدها، ولوجود هذه الفروق الجوهرية بين الانعدام والبطلان، ونظرا للاختلاف في الإجراءات المحددة قانوناً الواجب اتباعها لمواجهة كل منهما على حدة بوسائل وإجراءات مختلفـة حـددها القانون على سبيل الوجوب، وفي هذا الشأن فقد حدد القانون طريقة مواجهة الحكم المنعدم وهي طريقة تقديم دعـوي انعدام الحكم وبالمقابل فقد حدد القانون أيضاً طريقة مواجهة الحكم الباطل وهي طريقة الطعن، ولذلك لا يجوز الجمع بين دعوى الانعدام والطعن بالحكم حسبما قضى الحكم محل تعليقنا، ولذلك يجب على الخصم أن يدرس الحكم جيداً، فإذا وجد أن أحكام الانعدام تنطبق على الحكم، فإنه يجب عليه في هذه الحالة أن يتبع الإجراءات القانونية المحددة لمواجهة الحكم المنعدم وهي طريقة دعوى انعدام الحكم، وإذا وجد الخصم انطباق أحكام البطلان على الحكم فإن عليه أن يتبع الإجراءات المحددة في قانون المرافعات للطعن في الحكم، وطالما أن انعدام الحكم يختلف تماماً عن بطلان الحكم، وأن طريقة مواجهة كل منهما مختلفة فلا يجوز الجمع بين دعوى الانعدام والطعن بالحكم معا.
الوجه الثاني: مخالفة القانون كسبب للنقض وحالات الانعدام المقررة في القانون:
مخالفة الحكم للقانون حالة من حالات الطعن بالنقض في الحكم حسبما نصت عليـه المادة ( 292 ) مرافعات وحالات الإنعدام المنصوص عليها تقع خلافا للقانون ، لأن الحكم المنعدم يصدر بغير الطريقة والإجراءات المحددة في القانون ، وقـد أشـار الحكم محل تعليقنا بأنه إذا كانت هناك حالـة مـن حـالات إنعدام الحكـم فـلا ينبغي للطاعن تضمينها في عريضة الطعن بالنقض ويطلب من المحكمة العليـا الحكـم بانعدام الحكم وهو بصدد الطعن بالحكم، لأن ذلك بمثابة جمع بين دعـوى الانعدام والطعن بالنقض في عريضة واحدة، إذ يجب على الخصم إذا تحققت حالـة مـن حالات الانعدام أن يرفع بها دعوى انعدام مستقلة طالبا انعدام الحكم أمام المحكمة العليا، والله أعلم.
*الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء