صنعاء تفرض معادلة "الكلفة مقابل الحصار"

صنعاء تفرض معادلة "الكلفة مقابل الحصار"

الزيارات: 36

تتجاوز المواجهة اليمنية - السعودية اليوم حدود الغارات المتبادلة، وتدخل مرحلة جديدة تعيد رسم قواعد الاشتباك بالكامل، فلم تعد الجغرافيا اليمنية وحدها ساحة المعركة، بل بات العمق الاقتصادي والبحري للسعودية جزءاً مباشراً من معادلة الردع التي فرضتها القوات المسلحة اليمنية منذ منتصف 2026.

المعادلة بسيطة وواضحة "الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد"، ففي مقابل استمرار استهداف الموانئ والمطارات اليمنية، ردت القوات المسلحة اليمنية بتوسيع نطاق عملياتها لتشمل المنشآت الحيوية وخطوط الإمداد السعودية، مؤكدة أن إجراءاتها تستهدف السفن والمنشآت المرتبطة بالعدوان، لا حركة التجارة الدولية بشكل عام.
شكل استهداف قطاع الطاقة السعودي جوهر الضغط الجديد، ومنذ جولة التصعيد في يوليو 2026، تعرضت منشآت أرامكو في جيزان وينبع وبقيق لضربات متتالية بالصواريخ والطائرات المسيرة، حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية وبيانات "ناسا فيرمس" حجم الحرائق وامتدادها إلى خزانات إضافية، وفي 29 يوليو طال الاستهداف مصفاة بقيق وخطوط نقل الخام إلى ينبع، ما دفع الرياض لإعلان تمديد تعطيل المنشأة وخسارة قدرتها على ضخ 400 ألف برميل يومياً.
الخسارة لم تعد مادية فقط، بل كل ضربة تفرض على أرامكو خفضاً اضطرارياً في الإنتاج، وتترجم إلى نزيف يومي بالمليارات، خاصة مع التزامات المملكة التعاقدية الدولية، والأخطر أن هذه الضربات تحولت من أحداث استثنائية إلى نمط متكرر يجعل الرهان السعودي على استقرار قطاع الطاقة كمحرك للرؤية المستقبلية أكثر هشاشة.
منذ إعلان حظر الملاحة على السفن السعودية في 20 يوليو 2026، دخلت المواجهة البحرية مرحلة مختلفة، حيث استهدفت القوات اليمنية 10 ناقلات نفط بشكل مباشر، من "إنسيليا" و"ليلى" إلى "وفاء" و"ديزي" و"تهامة"، وأجبرت عشرات السفن الأخرى على التراجع دون قتال، ولكن الأثر الأكبر كان اقتصادياً، حيث قفزت أقساط التأمين البحري على السفن المتجهة للموانئ السعودية إلى مستويات قياسية، بعد أن صنفت شركات التأمين العالمية البحر الأحمر وخليج عدن "منطقة حرب" وهذه الكلفة انعكست مباشرة على أسعار السلع داخل السعودية وعلى تنافسية صادراتها الخارجية.
وحين حاولت الرياض الالتفاف عبر تغيير المسارات إلى شمال البحر الأحمر أو الدوران حول رأس الرجاء الصالح، وجدت نفسها أمام كلفة مضاعفة في الوقت والوقود والتأمين، إذ كانت الرحلة تستغرق أياماً تحولت إلى أسابيع، وبذلك تحولت الجغرافيا نفسها إلى أداة ضغط، يكفي فيها رفع مستوى المخاطر ليدفع المشغلون لتغيير قراراتهم طوعاً، ولم تتوقف الكلفة عند البحر والنفط فقط، بل امتدت إلى العمق اليمني حيث تعرضت معسكرات وتجمعات ومخازن الأسلحة التابعة للأدوات السعودية لضربات متتالية وهذه الضربات لا تدمر المعدات فقط، بل تنسف استثمارات سنوات من التدريب والتسليح والتمويل، وتفرض على الرياض العودة لنقطة الصفر في كل محاولة لإعادة الترتيب.
الرسالة الاستخباراتية هنا أوضح لا وجود لمكان آمن فقدرات الرصد اليمنية حولت أي تحرك أو تجمع إلى هدف مشروع، وجعلت الساحل الغربي شبكة مترابطة أي خلل فيها يعطل منظومة الإمداد والتحشيد بأكملها، وما يجري ليس جولة جديدة، بل إعادة تعريف للمواجهة، فالرهان السابق كان على حصر الحرب داخل اليمن واستخدام الحصار كورقة ضغط، أما اليوم فالمعادلة انعكست: كل ضغط على اليمن له كلفة مقابلة على من يمارسه، وحتى الوعود الأمريكية بالحماية لم تعد كافية، فالدعم السياسي لا يستطيع إلغاء تقديرات المخاطر لدى شركات الشحن، ولا يجبر ناقلة على الإبحار في مسار تعتبره مهدداً والقضية لم تعد مواجهة بين صنعاء والرياض فقط، بل حول من يملك فرض قواعد الحركة في ممر مائي حيوي للعالم.
السعودية اليوم أمام حقيقة قاسية الحرب التي بدأتها لتطويق اليمن تحولت إلى عبء يهدد قلب اقتصادها، فمنشآتها النفطية في مرمى النيران، وسفنها أهداف مشروعة، وأدواتها في الداخل تتهاوى تحت الضربات، والقوات المسلحة اليمنية نقلت المعركة من خانة "رد الفعل" إلى خانة "فرض الكلفة"، والرسالة الأخيرة تقول: تغيير الواجهات لا يغير المعادلة، والالتفاف لا يكسر الحصار ما دامت قدرة الردع قائمة.
ويبقى السؤال هنا مطروحاً أمام الرياض: هل تستوعب الدرس وأن استمرار سياسة الحصار سيجعل الثمن أكبر كل يوم، أم ستواصل رهانها الخاسر متجاهلة أن كرامة الشعب اليمني وحقه في الحياة الحرة ليست بنداً قابلاً للمساومة أو الإلغاء بالقوة، فالوقت يمضي وعداد الخسائر لا يتوقف، وعلى الباغي تدور الدوائر.

طباعة