الدورة الـ23 من بطولة كأس العالم لكرة القدم في ميزان التقييم
- الجمهور الإسباني أهدى الفوز بكأس العالم لكرة القدم لفلسطين
- قال الملك الإسباني لترامب: وجهات نظرنا متباعدة، لا تكلمني ولن أكلمك
- أولمبياد 2026م مميز
مونديال كأس العالم لكرة القدم في نسخته الثالثة والعشرين، والذي استكمل مبارياته وفعالياته هذا الشهر بسلبياتها وإيجابياتها، يعتبر مميزا من حيث عدد المنتخبات المشاركة..
إذ شارك 48 منتخبا من أصل 211، والاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" يدرس إمكانية زيادة العدد في أولمبياد ألفين وثلاثين إلى 64 منتخبا.. ولكل حدث حديث..
يهمني في هذه المادة ومادة قادمة تقييم الدورة الـ23 الأخيرة، وتقييم المنتخبات العالمية بشكل عام والمنتخبات العربية بشكل خاص، فقد أصيب أو أخطئ وحسبي أنني حاولت..
إن منافسات الدورة الـ23 لكأس العالم لكرة القدم التي اختتمت فعالياتها الأسبوع الماضي هي الأكثر إثارة وعدداً، بمشاركة 48 منتخباً من أقوى منتخبات العالم، بينها 8 منتخبات عربية، وزادت حدة المنافسة في أدوار خروج المغلوب.. وأحزم القول دون مبالغة إن الشغف كان كبيراً لمشاهدة مباريات المونديال، خاصة في وطننا العربي من خليج النفط والأبراج إلى محيط الماء والأمواج، فنحن العرب لم نحقق أي انتصارات في أي مجال خلال السنوات الأخيرة.. نسمع عبر التلفاز ونقرأ في الصحف الورقية والإلكترونية أخباراً مؤلمة عن موت هنا، وقتل وتدمير هناك، ونشاهد في أكثر من دولة عربية صور جثث متفحمة وحرب إبادة صهيونية ضد إخواننا في غزة وفي بقية المناطق الفلسطينية ومشاكل واحتراب وأزمات سياسية واقتصادية طاحنة في عدة دول عربية.. لذلك، كنا في حاجة إلى جرعة قوية من النسيان المؤقت، ولم يتأت ذلك إلا من خلال مباريات كأس العالم لكرة القدم التي تقاسمتها هذه المرة ثلاث دول هي المكسيك وكندا وأمريكا.
إن بطولة كأس العالم لكرة القدم تعد احتفالية عالمية ومعركة بلا سلاح، تقام كل أربع سنوات وتعد أكبر محفل رياضي عالمي، بل إنها تتفوق على المونديال العالمي للألعاب الرياضية بسبب بسيط وهو أن لعبة كرة القدم هي اللعبة الشعبية الأولى على مستوى العالم وفن الإبداع الرياضي الذي لا تغيب عنه الشمس. وهو بالتأكيد الفن الذي أتى على أكثر من وجه من كل بقاع الأرض، بمشاركة 48 منتخباً من أصل 211 دولة، وهو بحد ذاته مكسب كبير، بل يعد مكسباً سياسياً أكثر منه رياضياً.. إن رفع علم أي دولة في أي محفل رياضي يعد مكسباً سياسياً يعول عليه، وتزداد أهميته في الأولمبياد العالمي.. وأداء النشيد الوطني في المحافل الرياضية لا يقدر بثمن.
وبهذا نستنتج أن الرياضة سياسة مكثفة، واقتصاد ضخم، ونشاط اجتماعي فاعل.. وللرياضة بمفهومها الشامل بشكل عام، ولعبة كرة القدم بشكل خاص- التي يسميها بعض زملاء الصحافة الرياضية "الساحرة" أو "المجنونة"- نصيب الأسد من المهتمين من جيل الشباب وجيل الشيبات معاً.. ومع ذلك، لا يعول البعض على كرة القدم، بل يعتبرها لعبة تسلية "زبطها ردعها".
ملاحظة: لعبة كرة القدم ليست لعبة تسلية "زبطها ردعها" بل هي- كما أسلفت - سياسة مكثفة وللتدليل على ذلك، هذا مثال حي لما حدث بين ملك إسبانيا فيليب السادس والرئيس الأمريكي ترامب، وهذه هي الحكاية: بعد تأهل المنتخب الإسباني إلى المباراة النهائية، اتصل ترامب بملك إسبانيا قائلاً: أكيد ستشرفون الولايات المتحدة بزيارة؟” أجابه: نعم، ولكنها ليست زيارة رسمية، هي مجرد حضور لمشاهدة المباراة النهائية بين بلادنا إسبانيا والأرجنتين”.. فقال ترامب بما معناه: “على هامش حضوركم سنجلس معكم ونتكلم ونقرب وجهات النظر”.. فقال الملك فيليب:” وجهات نظرنا متباعدة! أنت تؤيد الصهاينة، وأنا أقف إلى جانب الفلسطينيين العزل الذين يتعرضون لحرب إبادة عرفها العالم كله.. وأضاف “في هذا الموضوع لا تكلمني ولن أكلمك. أنت تدعم الصهاينة الظالمين وأنا أدعم الفلسطينيين”.
عودة إلى الموضوع: عندما حضر الملك الإسباني إلى أمريكا وحضر المباراة النهائية بين بلاده والأرجنتين، رفض الجلوس بجانب ترامب، ورفض الحديث معه حول أي جوانب سياسية.. وعندما عاد إلى بلاده رتب استقبالاً للمنتخب، وسلم عليهم وعانقهم واحداً واحدا،ً وميز يامال كونه لاعباً مميزا فعانقه، وقد كتب الإعلام الإسباني قائلاً:”لم يكن عناق ملك إسبانيا فيليب السادس للامين يامال تهنئة عابرة بعد انتصار، بل كان مشهداً أعمق من حدود الرياضة, مشهداً ينتصر على ضيق الإنتماء، ويقول إن الوطن لا يقاس بنقاء الأصل، بل بصدق العطاء، ملك يحمل رمز الدولة وفتى يحمل وهج المستقبل, وبينهما لحظة قصيرة كأنها تختصر تاريخاً طويلاً من العبور والاندماج والاعتراف: ذلك الطفل الذي جاءت به الهجرة يوماً على هامش الحكاية، عاد ليكتب في صدرها فصلاً من المجد، الذي للإسبان من أصل عربي دور فيه مسجل كتاريخ رياضي ناصع البياض.. هذا ما جاء في تعليق جوجلي إسباني مكون من عدة صفات اختصرته إلى عدة سطور.
إن التطور الرياضي الكروي الإسباني لا يحتاج إلى شهادتي أو شهادة غيري، فلقد شهدت رياضة كرة القدم نهضة كبيرة منذ منتصف القرن الماضي، وازدادت قوة وتطورا في إسبانيا، كانعكاس موضوعي للتطور في مختلف مجالات الحياة، وتتوج ذلك بإحراز إسبانيا كأس العالم لكرة القدم عام 2010م، وها هي تحرز كأس العالم هذا الشهر للمرة الثانية في تاريخها.
أصداء إحراز كأس العالم
لم يكن إحراز كأس العالم لكرة القدم من قبل المنتخب الإسباني سهل، ولم يتأت على طبق من ذهب، بل جاء بعد جهود كبيرة بذلها أفراد المنتخب الإسباني في الدور التمهيدي (دور المجموعات)، ثم في أدوار خروج المغلوب حتى وصلوا إلى المباراة النهائية أمام المنتخب الأرجنتيني حامل اللقب في الدورة السابقة في قطر، وقد أبلى المنتخب الإسباني بلاء حسنا،ً وكان أفضل من نظيره الأرجنتيني، حيث كان بلغ استحواذه على الكرة 70% أو 75% تقريباً، من مجمل وقت المباراة، التي شهدت شوطين إضافيين مجموعها نصف ساعة. وأحرز المنتخب الإسباني النصر وكأس البطولة بجدارة واستحقاق، وقد كان لهذا الإنجاز أصداء واسعة في عواصم الدول العربية، بدأت في مدن قطاع غزة الفلسطينية، تلتها احتفالات في عواصم عربية أخرى. وقد كان رد الجمهور الإسباني جميلاً جداً، إذ نظم مهرجاناً جماهيرياً كبيراً بهذه المناسبة، وأهدى الفوز بكأس العالم للشعب الفلسطيني.