حين يسقط منطق الإملاء الأمريكي أمام الردع الإيراني

حين يسقط منطق الإملاء الأمريكي أمام الردع الإيراني

الزيارات: 20

لم تكتفِ واشنطن بالتنصل من التفاهمات السابقة ونقض العهود، بل دفعت بحلفائها إلى ساحات مواجهة تحولت إلى اختبار قاسٍ لمشروع الهيمنة الأمريكي، وظن صانع القرار الأمريكي أن الحصار الاقتصادي سيُخضع طهران، وأن استعراض القوة سيفرض معادلات جديدة،

ولكن الرد جاء من مياه الخليج والبحر الأحمر، ليؤكد أن زمن الإملاءات قد ولّى، حيث تشكلت معادلة مختلفة "لا أمن مُطلق للهيمنة، ولا ممرات مستباحة بلا ثمن".
ما يجري اليوم في جغرافيا مضيق هرمز والبحر الأحمر هو رسم لخطوط حمراء بالفعل الميداني، والقوى المناهضة للهيمنة أعلنت أن الممرات البحرية لن تبقى مستباحة، وأن أمن قوى الاستكبار فيها لم يعد مضموناً، وعندما عادت واشنطن إلى تجديد عدوانها، جاء الرد باستهداف القواعد والمطارات ومراكز الدعم، لتتساقط معه أوهام السيطرة الكاملة.
تجاوز المشهد منطق "الضربة بالضربة" ليضع أسواق الطاقة العالمية أمام مأزق معقد ودخول حظر الديزل الروسي على خط الأزمة، مع تنامي شح الإمدادات، جعل أي توتر في الخليج ينعكس مباشرة على الأسعار وسلاسل التوريد، وفي هذا السياق تواصل واشنطن نهجها القائم على استنزاف ثروات المنطقة وتوظيف النفط العربي لخدمة مصالحها، دون اكتراث بتداعيات الحروب على الشعوب أو الاقتصاد العالمي.
دخلت الأزمة بين أمريكا وإيران مرحلة أكثر تعقيداً بعد أن جمعت إدارة ترامب بين التصعيد العسكري والعقوبات الاقتصادية والضغط السياسي سعياً لفرض شروط تفاوضية جديدة تتجاوز الملف النووي إلى النفوذ الإقليمي والقدرات الصاروخية وأمن الممرات البحرية، وفي المقابل تؤكد طهران أنها لن تخضع للإملاءات، وأن أي تفاوض يجب أن يُبنى على احترام الاتفاقات السابقة والالتزامات القائمة، لا على سياسة فرض الأمر الواقع وترى أن تنظيم الملاحة في مضيق هرمز يقع ضمن صلاحياتها السيادية وفق الترتيبات القانونية والأمنية.
تحول مضيق هرمز إلى إحدى أهم أوراق الردع في معادلة الصراع، وتعتبر إيران أن أمن الملاحة فيه مرتبط مباشرة بأمنها القومي، وأن لها الحق في تنظيم الحركة البحرية ضمن سيادتها، خصوصاً مع وجود قوات أمريكية تصنفها طهران مصدراً للتوتر، في حين تصر واشنطن على إبقاء أمن الملاحة تحت هيمنتها المعتادة، وهذا التناقض جعل المضيق ساحة احتكاك دائمة بين مشروع الهيمنة ومشروع الاستقلال، وأي تصعيد فيه ينعكس فوراً على أسعار النفط والتجارة العالمية، ما يمنح طهران ورقة ضغط يصعب تجاهلها.
العقبة الأساسية أمام أي تفاهم هي فقدان الثقة، حيث ترى طهران أن واشنطن هي من تراجع عن التفاهمات السابقة، لذا فإن أي دعوة أمريكية للعودة إلى المفاوضات تبقى محل شك ما لم تُقرن بضمانات حقيقية والتزام فعلي، فخلال السنوات الماضية أثبتت أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية لم تغير السياسات الإيرانية جوهرياً، بل دفعت طهران إلى تطوير قدراتها الدفاعية وتعزيز حضورها الإقليمي، ومن هنا، فإن أي تصعيد جديد سيجعل المواجهة المباشرة أكثر كلفة وتعقيداً.
إدارة ترامب تحتاج إلى إظهار الحزم أمام الداخل الأمريكي والحلفاء الإقليميين، لكن "صورة الانتصار" تختلف عن الانتصار الفعلي، فأي اضطراب في مضيق هرمز، ولو محدود، سيرفع أسعار النفط بشكل حاد، ويُربك سلاسل الإمداد، ويزيد الضغوط على اقتصادات العالم، ولذلك تنظر القوى الدولية بقلق إلى أي خطوات تدفع نحو مواجهة مفتوحة، كما أن واشنطن نفسها تواجه واقعاً داخلياً لا يشجع على حرب جديدة، في ظل الانقسام السياسي والضغوط الاقتصادية وتراجع التأييد الشعبي للتدخلات الخارجية.
لم تعد معادلة الضغوط الأمريكية قادرة على فرض نتائج سياسية أو استراتيجية كما كان في السابق، فالتصعيد العسكري والاقتصادي قد يرفع التوتر، لكنه لن يدفع طهران للتخلي عن سيادتها وحقوقها، حيث ترى القيادة الإيرانية أن محاولات فرض الإملاءات بالقوة ستُقابل برد يرفع كلفة المواجهة على أمريكا وإسرائيل وحلفائهما، فأمن الخليج ومضيق هرمز لا ينفصل عن أمن إيران ومصالحها الاستراتيجية، وبالتالي فإن أي خطوة نحو التصعيد ستُقاس بتداعياتها العسكرية والاقتصادية على المنطقة والعالم، والرسالة الأساسية التي ترسخت هي أن الردع هو الضامن للاستقرار، وزمن الغطرسة وفرض الإملاءات قد انتهى.

طباعة