صراع الكرامة بين مشايخ اليمن الأحرار والمرتزقة

صراع الكرامة بين مشايخ اليمن الأحرار والمرتزقة

الزيارات: 66

في زمن تساقطت فيه الصواريخ على بيوت الفقراء، وتقاسم فيه الوكلاء جثث الوطن، برز سؤال واحد يلخص مأساة القبيلة اليمنية، التي طالما كانت سوراً منيعاً للدولة، وقواماً للجيش في مواجهة الغزاة والمحتلين على مر التاريخ.

بين مشائخ اختاروا الانخراط في مشاريع العواصم الخارجية مقابل مكاسب زائلة، ومشايخ أُحرقت بيوتهم ودُمّرت ممتلكاتهم لأنهم انحازوا لتراب وطنهم؛ تقف القبيلة اليمنية اليوم أمام مرآة التاريخ العادلة لتسجل المواقف، فالمسألة ليست مجرد خيار سياسي عابر، بل هي معركة وجودية بين الكرامة التي تورثها الأجيال، وبين الارتهان الذي ينتهي في أقصر الطرق.
ثَمّة مشايخ حوّلوا مكانتهم الرمزية والقبلية إلى وكالات استثمارية للاستقواء على أبناء جلدتهم، مستندين إلى دعم مالي وعسكري خارجي لتجييش القبائل ضد إخوانهم في الداخل، بينما كانت في المقابل بيوت المشايخ الأحرار تُستهدف وتُدمر لمجرد أنهم رفضوا الانصياع لصفقات البيع والشراء. وهنا يكمن التناقض الفاضح: فالخارج لم يفرق في استهدافه بين قبيلة وأخرى حين طال القصف الأسواق والأفراح والبنى التحتية، لكنه كان يفرق بدقة بين من يسهل شراؤه، ومن يرى أن وطنه وعرضه ليسا محلاً للمساومة.
إن الدور السياسي للقبيلة اليمنية لم يكن يوماً هامشاً في معادلة الاستقرار، بل كانت القبائل في شمال الوطن وجنوبه وشرقه وغلبه، وما زالت، تمتلك وعياً عصبياً متجذراً، يجمعها ككتلة واحدة أمام الخطر الخارجي الداهم. ولكن هذا الوعي تعرض لمحاولات تمزيق ممنهجة عبر سلاح المال، الذي سُيّل لاستقطاب بعض الرموز القبلية ليقاتلوا في جبهات المحاور الخارجية ضد أبناء وطنهم، فأصبحت القبيلة التي كانت تاريخياً تحمي الجار والضيف وتصون الحِمى، تُجرجر من قبل البعض للمشاركة في تدمير النسيج الاجتماعي تحت لافتات وشعارات واهية.
ولم تقتصر المأساة على دعم الجبهات، بل امتدت إلى التواطؤ في نهب الثروات الوطنية؛ ففي حضرموت على سبيل المثال، يُدار صراع نفوذ مكشوف تستخدم فيه الورقة القبلية كأداة في الصراع الإقليمي على النفط والموانئ. وفي مقابل محاولات التجيير، نرى "حلف قبائل حضرموت" ومعه قوى اجتماعية حية يحاولون التمسك بالأرض وحماية الثروات السيادية من التبديد والاستلاب، مما يعكس بوضوح كيف يتحول الصراع على جغرافيا القبيلة إلى مرآة لأطماع الوكلاء الإقليميين.
في المقابل، وقف المشايخ الأحرار كالصخر في وجه العواصف؛ استُهدفت منازلهم ومزارعهم في صنعاء، وذمار، وصعدة، وحجة، وعمران، وغيرها من المحافظات، وقطعت عنهم الإمدادات، لكنهم لم يبيعوا مواقفهم. ليس لأنهم لا يحتاجون إلى سبل العيش، بل لأنهم يدركون أن ثمة ثابتاً في الأعراف القبلية الأثيلة أغلى من المال: وهو الشرف القائم على حماية الأرض والعِرض. هؤلاء هم من حافظوا على تماسك النسيج المجتمعي في أحلك الظروف، ومنعوا الانهيار الكامل للمجتمع اليمني في وجه أعتى الأزمات.
ولعلّ الدرس الأكبر في هذه المواجهة التاريخية هو أن المال السياسي لا يشتري ولاء القبائل للأبد، فـ "العصبية" بالمنظور الخلدوني، والتي تجمع المجتمع ضد التهديد المشترك، تظل كامنة ومتأصلة في أعماق الهوية اليمنية. ومهما طال أمد الصراع، سيأتي يوم يسأل فيه الأبناء آباءهم: ماذا فعلتم حين انتهكت السيادة ونُهبت الثروات؟ بين من سيخجلون من الإجابة، وبين من سيرفعون رؤوسهم عالياً لأنهم صانوا الأمانة؛ وفي ذلك اليوم، ستُكتب أسماء المرتهنين في صفحات النسيان والخزي، بينما تتوهج أسماء الأحرار في ذاكرة اليمن الحية التي لا تموت.

طباعة