يتجاوز توصيف دولة الإمارات العربية المتحدة باعتبارها "حليفًا دفاعيًّا" للولايات المتحدة حدود التحليل التقليدي، ليغدو من الأدق مُقاربتها بوصفها فاعلًا وسيطًا (Intermediary Actor) داخل بُنية الهيمنة العالمية، وفق مُقاربات نظرية التبعِيَّة الجديدة، وتحليل المُجمَّع الصناعي-العسكري.
فالإمارات لم تَعُد مجرد طرف تابع، بل أضحت جزءًا وظيفيًّا في إعادة إنتاج النظام الإمبريالي عبر اندماجها العميق في شبكات الأمن والرأسمال المَعَوْلَم، وهو ما تؤكِّده تحليلات نقدية معاصرة تُشِير إلى أن هذا الاندماج نتاج مسارٍ تراكمي ممتد لأربعة عقود أعاد تشكيل موقعها مِن مُستَهلِكٍ للسلاح إلى شريكٍ عمليَّاتي في المنظومة العسكرية الأمريكية.
إعادة إنتاج التبعِيَّة عبر الرأسمالية الأمنية
ضمن هذا الإطار، تتجلَّى العلاقة الإماراتية-الأمريكية كنموذج لما يمكن تسميته ب"الرأسمالية الأمنية" (Security Capitalism)، حيث يُعاد تدوير الفوائض النفطية في مجالات التسلُّح والتكنولوجيا العسكرية، مُقابل ضمانات أمنية تُتَرجَم عمليًّا إلى إعادة هيكلة المجال السيادي للدولة بما يخدم الاستراتيجيات الكبرى للقوة المهيمنة.وقد تجسَّد ذلك في فتح القواعد الجوية والموانئ الإماراتية أمام القوات الأمريكية، وتحوُّلِها إلى عُقْدَةٍ لوجستية مركزية في الانتشار العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.. ولا يقتصر هذا التبادُل على البُعْد العسكري، بل يتجاوزه إلى إعادة تشكيل البُنية الاقتصادية ذاتها، حيث تتكامل وظائف الإمارات كمركز مالي-لوجستي عالمي مع دورها كمنصَّة لتسهيل التدفُّقات الرأسمالية - بما في ذلك الأنشطة الرمادية - وهو ما يجعلها جزءًا من البُنية التحتية للرأسمالية المَعَوْلَمَة وليس مجرد مستفيد منها.
اليمن بوصفه مجالًا حيويًّا لإعادة التموضُع الجيوستراتيجي
في هذا السياق، يكتسب التدخُّل الإماراتي في اليمن دلالة بُنيوية تتجاوز منطق التدخُّل العسكري المُباشر، ليُفْهَم ضمن استراتيجية أوسع لإعادة توظيف الجغرافيا السياسية اليمنية، خصوصًا في ما يتعلَّق بالتحكُّم في الممرَّات البحرية الحيوية وعلى رأسها باب المندب.
فقد عملت الإمارات على بناء شبكة نفوذ ممتدة عبر دعم تشكيلات محلِّيَّة مُسَلَّحة، وإنشاء بُنَى تحتية عسكرية وموانئ في مناطق ساحلية وجُزُر استراتيجية، بما يعكس نمط "الهيمنة عبر الوكلاء" (Proxy Hegemony).
وتُشِير تقارير دولية وصحفية إلى أن أبوظبي دعمت قُوى محلِّيَّة انفصالية، وأسهمت في إنشاء كيانات سياسية-عسكرية مُوازية للدولة اليمنية، مثل المجلس الانتقالي الجنوبي، بما أتاح لها ترسيخ نفوذ طويل الأمد في جنوب اليمن والمناطق الساحلية.كما عملت على توسيع حضورها في موانئ ومواقع استراتيجية، الأمر الذي منحها قدرة على التأثير في أحد أهم الممرَّات البحرية العالمية، وربط ذلك بشبكتها التجارية واللوجستية العابرة للحدود.
الازدواج البُنيوي: النيوليبرالية السلطوية وتصدير أنماط الضبط
تكشف الحالة الإماراتية عن نَمَطٍ مُرَكَّبٍ مِن "النيوليبرالية السلطوية" (Authoritarian Neoliberalism)، حيث يتلازم الانفتاح الاقتصادي مع بُنية ضبطٍ سياسيٍّ صارِمَة.ففي الداخل، تُدار عملية التراكُم عبر أنماط من الضبط الاجتماعي والسياسي، تشمل تقييد الحُرِّيات، وإدارة الفضاء العام بما يضمن استقرار النظام.أما في الخارج، فيُعاد تصدير هذا النموذج عبر بناء شبكات نفوذ قائمة على الوكلاء المحلِّيين، كما في اليمن وليبيا والسودان، بما يُتِيح تحقيق الأهداف الاستراتيجية دون تحَمُّل كُلْفَة الاحتلال المباشر.
منطق العسكرة وإعادة توزيع المخاطر
إن اندماج الإمارات في المنظومة العسكرية الأمريكية لا يُعَزِّز الأمن بالضرورة، بل يعيد توزيع المخاطر إقليميًّا، بحيث تتحوَّل الدول المضيفة للبُنية العسكرية إلى ساحاتٍ مُحتَمَلة للاستهداف في سياق الصراعات الكبرى.وقد أظهرت التطوُّرات الإقليمية الأخيرة أن هذا النمط من التحالفات يجعل البُنَى الاقتصادية والمدنية عُرْضَة لتداعيات النزاعات، بما يكشف عن مُفارقة جوهرية بين منطق "الأمن" المُعْلَن وواقِع "الهشاشة" المُنْتَجَة.
في ضوء ما سبق، يمكن فهم الدور الإماراتي باعتباره تجسيدًا لنمط "الهيمنة الوسيطة"، حيث تتقاطع التبعِيَّة البُنيوية مع طموحات التمركُز الإقليمي.ويُظْهِر التداخُل بين الرأسمالية الأمنية والجغرافيا الاستراتيجية - خصوصًا في الحالة اليمنية - كيف تُعاد هندسة الفضاءات الهَشَّة لخدمة شبكات القوة العالمية.وعليه، فإن ما يبدو كتعظيم للنفوذ، ينطوي في جوهره على إعادة إنتاج لعدم الاستقرار، بما يجعل الأمن الإقليمي رهينةً لتوازُناتٍ تتجاوز الفاعِلِين المحلِّيين، وتعيد تشكيلهم ضمن بُنية الهيمنة العالمية.