من معادلة الضغط الأقصى إلى منطق الصبر الطويل

من معادلة الضغط الأقصى إلى منطق الصبر الطويل

الزيارات: 38

مشهد طهران لم يكن مجرد تشييع، بل استفتاءً صامتًا بملايين الأصوات التي لم تُقرأ في أي صناديق اقتراع غربية، ولا في تقارير استخباراتية أنفقت عليها المليارات، ولا في أحلام "إيران ما بعد الجمهورية الإسلامية" التي روّج لها مروجو "الربيع العربي" في نسخته الفارسية.

فما رأته الكاميرات لم يكن عزاءً مؤقتًا بقدر ما كان إعلان حرب بيضاء على كل الرهانات التي بنتها واشنطن وتل أبيب على مدى عقود، راهنتا فيها على أن "العامل الاقتصادي" سيفعل ما لم تفعله حروب الخليج الثلاث، وأن "التعب النفسي" سيفتح الباب أمام اختراق داخلي يستبدل القيادة بقيادة أخرى عميلة، أو على أقل تقدير "مرنة" وأكثر قابلية للتفاوض من موقع الضعف. لكن الجموع التي خرجت في شوارع طهران، رافعة أعلام العزاء كرايات معركة، كانت بكل بساطة تدفن هذه الأوهام في مثوى أبدي، وتكتب بشهادة ميلاد جديدة لإيران، مفادها: إيران لم تعد مجرد دولة تخضع لمنطق "البقاء"، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية نفسية تتفاعل مع التهديد الخارجي بانكماش عكسي، حيث كلما اشتد الحصار ازداد التماسك، وكلما زادت الاغتيالات تعاظم الحضور الجماهيري. وهنا تكمن المعضلة الاستراتيجية التي تعجز عن فكّها أي عقلية إدارية أمريكية أو صهيونية، لأنها تتعامل مع "النظام" ككيان بيروقراطي يمكن عزله أو تحييده، بينما هي أمام كائن حي يتنفس من خلال الشارع ذاته الذي ظنته جبهة خلفية، فجاءها الثأر الشعبي ليكسر المعادلة الأكثر رسوخًا في الأدبيات الغربية حول "أنظمة المقاومة"، وهي أن الضغط الخارجي يؤدي إلى انكسار داخلي. لكن الحالة الإيرانية، كما تجلّت في هذا المشهد المهيب، أثبتت العكس تمامًا؛ أي أن الضغط يخلق مادة لاصقة بين شعب لا يرى خيارًا آخر سوى التماهي مع مشروع وجودي يفوق أي حسابات مادية. وهنا يبرز السؤال الأكثر إيلامًا لمن خطّطوا لـ"الضغط الأقصى": كيف لشعب يُقال عنه إنه يعيش "ضائقة معيشية خانقة" أن يترك بيوته ومصالحه ليخرج بهذا الزخم؟
الإنسان عندما يدرك أن المعركة ليست على هامش رغيف الخبز، بل على ماهية كيانه وحضوره في التاريخ، فإنه يرفع سقف أولوياته إلى ما يتجاوز الجوع المؤقت. وهذا ما فشلت استوديوهات واشنطن وتل أبيب في محاكاته، لأنها ظلت ترسل موجاتها إلى عقول افتراضية تبحث عن مكاسب سياسية آنية، بينما كان الشارع الإيراني يعيش حالة إيمانية وطنية مفرطة، يعجز عن استيعابها أي نموذج تحليلي غربي يقوم على "العقلانية الباردة". فالهوية في منطقة مثل الشرق الأوسط لا تقاس بمؤشر أسعار المستهلك، بل بذاكرة الألم المشترك وشحنات الدم التي تصنع روابط لا تنفصم. ولعل أخطر فشل استخباراتي تمظهر في تلك اللحظة كان تقديرهم أن الرد الإيراني على اغتيال القادة سيكون "مسرحية صاروخية" للاستهلاك الإعلامي، فجاءتهم الصواريخ الحقيقية على قواعدهم العسكرية في المنطقة لتكتب معادلة ردع جديدة. لكن الأقسى عليهم لم يكن الصاروخ نفسه، بل ذلك المشهد المدني الموازي، الذي حوّل كل صاروخ أُطلق إلى أسطورة وطنية تتغذى عليها الأجيال، بينما تحولت صواريخهم الدفاعية إلى رمز للعجز الذي لا تغطيه أنظمة القبة الحديدية ولا صفقات الأسلحة الأمريكية. واليوم، حين نشاهد الحشود الإيرانية وهي تحتضن نعش القائد كأنها تحتضن مستقبلها، لا بد أن يدرك المخططون في واشنطن أنهم أمام "مناعة مجتمعية" لا تُخترق بالعقوبات، وكل محاولة استهداف خارجي تتحول إلى فرصة داخلية لإعادة إنتاج الشرعية. وهنا يأتي الكشف الأكثر إحراجًا لبني صهيون: إن "إسرائيل" التي تظن نفسها دولة قائمة على القوة العسكرية الذكية، لم تدرك أن أمنها الاستراتيجي بات مرهونًا بقدرتها على اختراق كتل بشرية لا يمكن قصفها أو تشريدها، لأنها ليست في غزة أو لبنان فقط، بل تمتد إلى قلوب الملايين الذين خرجوا في تشييع طهران ليعلنوا أن "الموت" ليس نهاية، بل بوابة لدفع المشروع قدمًا. وهذا يحيلنا إلى خلاصة لا تحتمل المواربة: إن "محور المقاومة" الذي ظنه الغرب تحالفًا ظرفيًا يمكن تفكيكه بصفقات جانبية، تحوّل إلى منظومة قيمية تتجاوز الجغرافيا، وأن "خرائط سايكس بيكو" الجديدة التي يحاولون رسمها بالدم الإيراني، سيكتب عليها الفصول الأخيرة من هزيمتهم هم. فالدماء هنا ليست سائلة، بل هي مادة صلبة تعيد تشكيل التضاريس الاستراتيجية كالبراكين التي لا تعلن عن موعد ثورانها، لكنها حين تثور تعيد تشكيل القارات. وكأن طهران اليوم تقول للعالم بصوت لا يحتاج إلى مترجم: لقد راهنتم على جوعنا ففشلتم، وراهنتم على خوفنا فانهزمتم، وراهنتم على انهيارنا فإذا نحن من يكتب نهاياتكم. لذا فليجلد ترمب ونتنياهو أيديهما على ما قدّموا من تقديرات خاطئة، وليتذكرا أن التاريخ لا يُقرأ بمنطق "الضغط الأقصى" بل بمنطق "الصبر الطويل" الذي تفوق فيه الإيرانيون على كل قراصنة الحرب الباردة. وليرحما أنفسهما من تكرار سيناريو "انهيار إيران" الذي بات أشبه بحكاية "الذئب والأغنام" التي لا تصدقها إلا عقول تعيش في فقاعة إعلامية مغلقة. أما الواقع فسيظل يرسم سرديته بنفسه، وهذا التشييع في طهران إحدى محطاتها الفارقة، حيث يثبت أن الشعوب حين تختار البقاء لا يوقفها جدار، وأن القيادة حين تُختبر بالدماء تخرج منها أكثر شرعية مما كانت. وأن المشهد الإيراني اليوم ليس مجرد حدث عابر، بل مرآة عاكسة لكل من راهن على الموت، فإذا به يرى الحياة تنتفض من رماده. وهنا تكمن المفارقة الأكثر ذكاءً في هذه المعادلة: العدو الذي راهن على إغراق إيران في وحل المعيشة، وجد نفسه غارقًا في وحل الفشل الاستخباراتي الذي فضحه ملايين الإيرانيين بكفن أبيض، وكأنهم يكتبون للغرب رسالة أخيرة: هذه ليست دولة تمر بأزمة، بل أمة تخوض ولادتها الثانية.

طباعة