في كل عام تعود كربلاء إلى شوارع اليمن لا كحكاية من الماضي تُروى، بل كمنهج حي يُمارس، ومدرسة مفتوحة تُخرّج أجيالاً، فكلما حلّ محرم، عادت كربلاء إلى اليمن ليست كذكرى تُبكى، بل كمنهج يُعاش، ومدرسة تربّي الأجيال على كلمة واحدة "هيهات منا الذلة"..
حيث بدت ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام هذا العام أكثر رسوخاً وتأثيراً، ملايين من أبناء اليمن خرجوا في صنعاء والمحافظات الأخرى ليقولوا إنهم قرأوا التاريخ بمسؤولية، واستلهموا من كربلاء معنى العزة والكرامة ورفض الذل.
حملت الجماهير شعار الحسين الخالد لتؤكد أن الشعوب الحية لا تموت بالحصار، وأن المؤمن بقضيته يحول الألم إلى قوة، والمحنة إلى ثبات، فكربلاء كانت مواجهة واضحة لمشروع يريد أمة خانعة بلا صوت ولا موقف ومشروع حسيني يرفع راية الحرية والعدالة وكرامة الإنسان ولهذا يرى اليمنيون في كل عصر يزيداً جديداً، وفي كل مرحلة يحتاجون موقفاً حسينياً يعيد للأمة بوصلتها الأخلاقية، فلم تفصل ساحات اليمن بين عاشوراء وواقع الأمة فقد ربطت بين كربلاء وفلسطين وغزة ولبنان، ورأت فيهم ساحات تتجدد فيها معركة الحق ضد الباطل..في كربلاء قُتل الأطهار، وحوصرت النساء، وذُبح الأطفال، ومُنع الماء وفي غزة تتكرر ذات الصور اليوم: حصار، وقتل، ودمار ولذلك جاءت عاشوراء لتذكّر الأحرار أن الظلم واحد، وإن تغيرت أدواته، فأعظم ما خلّفته ثورة الحسين أنها قدّمت نموذج الإنسان الحر، فالإنسان الذي لا يبيع مبدأه ولا يقايض كرامته بأمن زائف، ولا يقبل العيش تحت سلطة ظالم.
عاشوراء في اليمن اليوم ليست بكاءً على الماضي، بل هي تربية للأجيال على الصبر والتضحية والكرامة وهي إعلان أن طريق الحق قد يكون صعباً، لكنه الطريق الوحيد للعزة.
كما أظهرت المسيرات المليونية أن اليمن ما زال قادراً على تحويل المناسبة الدينية إلى وعي وهوية وتلاحم، ففي زمن ينهار فيه كثيرون وقف اليمنيون ليقولوا: إن دم كربلاء لم يكن نهاية، بل بداية لمسار طويل من مقاومة الظلم وسيبقى صوت الحسين يتردد: "هيهات منا الذلة".. عقيدة أمة اختارت الحرية مهما بلغت التضحيات.