الفرق بين إلغاء الحكم ونقضه !!

الفرق بين إلغاء الحكم ونقضه !!

الزيارات: 53

في بعض الحالات يحدث الخلط بين مصطلحي إلغاء الحكم ونقضه، ولذلك فقد أوضح الحكم محل تعليقنا الفرق بين المصطلحين حسبما ورد في الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 28-4-2018م في الطعن رقم (59469)،

الذي ورد ضمن أسبابه: ((وكون حكم المحكمة العليا السابق كان صريحاً في عبارته بإلغاء الحكمين الابتدائي والاستئنافي معاً، وبذلك ظهر عدم سلامة تفسير الطاعن لحكم المحكمة العليا السابق، وإن كان الملاحظ أن المحكمة العليا في قرارها السابق استعملت مصطلح الإلغاء وهو مصطلح خاص بأحكام الاستئناف، وكان عليها أن تستعمل ما خصها القانون به في المادة (300) مرافعات وهو مصطلح النقض، لأن النقض غير الإلغاء، كون القانون يوجب على المحكمة التي تستعمل مصطلح الإلغاء في حكمها أن تصدر حكماً آخر جديداً بديلاً للحكم الملغي، بخلاف مصطلح النقض، ولذلك يلزم تفسير حكم المحكمة العليا في استخدامها لمصطلح الإلغاء بدلاً من مصطلح النقض، على أنها قصدت بالالغاء النقض، لأن المحكمة العليا لا تملك مع إلغاء الأحكام أن تصدر أحكاماً بديلة عن الحكم الملغي)) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:

* الوجه الأول: مصطلح (النقض) ومحكمة القانون:
الوظيفة الأصلية لمحكمة النقض، هي حراسة القانون والسهر على حمايته من الأخطاء والمخالفات للقانون التي قد تشوب أحكام محاكم الموضوع، وعلى هذا الأساس فإن محكمة النقض ليست درجة (ثالثة) من درجات التقاضي، حسبما يتوهم البعض، أو كما هو شائع في اليمن، حيث نجد أنه يتم الطعن بالنقض في كل أحكام الاستئناف تقريباً، حيث يتعامل الخصوم مع المحكمة العليا، كما لو أنها درجة ثالثة من درجات التقاضي بالمخالفة، لما ورد في المادة (22) مرافعات التي صرحت بأن الأصل في التقاضي أن يكون على درجتين، وبناء على ذلك فإن المحكمة العليا تقضي بإقرار الحكم الاستئنافي إذا وجدته موافقاً للشرع والقانون وتقضي بنقضه إذا وجدته مخالفا للشرع للقانون، ولذلك كان اسم المحكمة العليا في السابق (المحكمة العليا للنقض والاقرار )، وفي هذا المعنى نصت المادة (300) مرافعات التي أشار إليها الحكم محل تعليقنا نصت هذه المادة على أنه: (إذا رأت المحكمة العليا أن منطوق الحكم المطعون فيه موافق من حيث النتيجة للشرع والقانون رفضت الطعن وتحكم على رافعه بالنفقات ومصادرة الكفالة، وإذا تبين إرادة الكيد من الطاعن، حكمت عليه بالغرامة للخزينة العامة والتعويض المناسب للمطعون ضده إذا طلب ذلك، أما إذا كان الحكم المطعون فيه غير موافق من حيث النتيجة للشرع والقانون فللمحكمة العليا أن تحكم في الموضوع ما دامت القضية صالحة للحكم، وإلا نقضت الحكم المطعون فيه كله أو بعضه وإعادته للمحكمة التي أصدرته للحكم فيه من جديد، متبعة توجيه المحكمة العليا)، ونخلص من هذا الوجه إلى القول:إن الأصل في عمل المحكمة العليا هو إقرار أحكام محاكم الموضوع إذا كانت موافقة للشرع والقانون ونقضها إذا كانت مخالفة للشرع والقانون، وأن النقض يعني أن المحكمة العليا عندما تحكم بنقض حكم محكمة الموضوع فأنها تعيده إلى المحكمة التي أصدرت الحكم المنقوض لإعادة نظر القضية من جديد وإصدار حكمها في الموضوع، فالنقض يعني أن المحكمة العليا لا تصدر حكماً في الموضوع، وإنما تعيد الأوراق إلى محكمة الموضوع التي أصدرت الحكم المنقوض لنظر القضية والفصل في الموضوع وفقاً لتوجيهات المحكمة، وقد كان نص المادة (300) مرافعات السابق ذكره قبل تعديله عام (2021م)، كان ينص على أن المحكمة العليا لا تفصل في الموضوع إلا إذا كان الطعن للمرة الثانية، أما بعد تعديل المادة (300) مرافعات عام (2021) الذي أسند إلى المحكمة العليا الفصل في الموضوع إذا كانت القضية صالحة للحكم فيها حتى لو كان الطعن للمرة الأولى، فهذا التعديل قد جعل عمل المحكمة العليا شبيهة بأعمال محاكم الموضوع، خاصة وقد صرحت المادة (86) مرافعات بعد تعديلها عام (2021م)، بأن كثيراً من الأحكام الابتدائية نهائية يتم الطعن فيها أمام المحكمة العليا مباشرة، وقد كانت الأسباب الموجبة لهذه التعديلات، هي سرعة الفصل في القضايا واختصار إجراءات التقاضي، وبموجب تعديلات (2021) المشار إليها فإن الفرق بين مصطلحي (النقض والإلغاء) قد تقلص، لأن الفرق الرئيسي بينهما كان متجسداً في أن النقض: هو حل الحكم الاستئنافي وإزالته من غير صدور حكم موضوعي بديل من المحكمة العليا، حسبما عبر الحكم محل تعليقا، أما مصطلح (الإلغاء) فهو يعني: إنهاء الحكم الابتدائي وصدور حكم بديل له فهذا المصطلح يتعلق بقضية موضوعية ، ولذلك فإن مصطلح (الإلغاء) يلازم الحكم الاستئنافي باعتبار محكمة الاستئناف محكمة موضوع في حين أن مصطلح (النقض) يلازم حكم المحكمة العليا باعتبارها محكمة قانون ليس من اختصاصها الفصل في المنازعة الموضوعية حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.

* الوجه الثاني: الفرق بين نقض الحكم الاستئنافي وحده ونقض الحكمين الاستئنافي والابتدائي:
الأصل أن الحكم المطعون فيه أمام المحكمة العليا هو الحكم الاستئنافي، وبعد تعديلات (2021م) أصبحت طائفة كبيرة من الأحكام الابتدائية يتم الطعن فيها أمام المحكمة العليا، ولذلك فإن المحكمة العليا إذا قضت بنقض الحكم المطعون فيه بالنقض سواء أكان الحكم استئنافياً أو ابتدائياً فإنها ملزمة بإعادة القضية إلى المحكمة المصدرة للحكم المنقوض، وإذا قضت المحكمة العليا بنقض الحكمين معاً الابتدائي والاستئنافي، فإن المحكمة العليا تعيد القضية إلى المحكمة الابتدائية، لأن الحكم بنقض الحكم الابتدائي قد أزاله من الوجود القانوني، وتبعاً لذلك فقد زال من الوجود الحكم الاستئنافي المؤيد له، والله أعلم.

*الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

طباعة