لم تنظر السعودية قط إلى اليمن، كدولة ذات سيادة متساوية الأهلية، بل كخلفية استراتيجية وساحة نفوذ وامتداد طبيعي يمكن التحكم فيه عبر أدوات متعددة.
تشترك اليمن والمملكة العربية السعودية في الأراضي الحدودية الممتدة لنحو 1500 كيلومتر وفي تاريخ طويل متداخل من العلاقات المتقلبة بين السلم والحرب والهدنة والصراع. غير أن التأريخ للعلاقة الثنائية، بالعودة إلى العقود الماضية، لا يظهر نمطاً من التكافؤ بين الجارين الكبير والصغير، بل يفضح استمرارية لسياسة تقوم على فرض التبعية وإخضاع الجار. فقد أشارت تحليلات متخصصة إلى أن "مسار العلاقة بينهما يشير إلى أن هناك طرفاً وهو السعودية يرتكز في سياساته على حتمية فرض التبعية على الطرف الآخر والمتمثل في اليمن".
من خلال الاستعلاء والاحتكار. فالاستعلاء هو موقف نفسي وسياسي يترجم السياسات على أرض الواقع من خلال الإملاء والوصاية والنظرة المتعالية إلى الطرف الآخر على أنه تابع وخادم، بينما الاحتكار يعني سيطرة طرف على مقدرات طرف آخر وثرواته الاقتصادية وحقوقه السيادية. يتداخل هذان المفهومان بشكل فريد في السياسة السعودية تجاه اليمن، ليشكلا نموذجاً متفرداً من الهيمنة الإقليمية.
فالنظام السعودي لم ير اليمن كدولة مستقلة، بل اعتبره امتداداً للقبائل التي يمكن استقطابها وتوظيفها لخدمة مشروعه الإقليمي على بناء علاقات وثيقة ومباشرة مع شيوخ القبائل اليمنية، مولية اهتماماً خاصاً بهذه العلاقة كوسيلة للحفاظ على نفوذها والتأثير في صنع القرار السياسي الداخلي في اليمن بما يتناسب مع مصالحها.
قبل أيام، بدأت مرحلة جديدة من المفاوضات بين اليمن والسعودية. لكن السؤال الذي يجب أن يطرقه كل مسؤول يمني على مكتبه بصوت مسموع: هل نحن مستعدون حقاً لهذه الجولة، أم أننا سنكرر أخطاء الماضي التي كلفت اليمن أراضيه وثرواته وكرامته؟
عبر التاريخ لا تنظر الرياض إلى اليمن قط كشريك ندّ، بل كـ"حديقة خلفية" و"ممر للمشاريع الكبرى". منذ معاهدة الطائف 1934 التي انتزعت عسير وجيزان ونجران، مروراً بدعم الانفصاليين في حرب 1994 رغم التوقيع على اتفاقيات عدم تدخل، وصولاً إلى نهب النفط اليمني من حقول حضرموت وشبوة وإيداع عائداته في بنوك الرياض، كلها حلقات في سلسلة استعلاء وتبعية لا تنتهي.
أمام هذه الحقائق، على القيادة في صنعاء أن تدرك أن اليمن ليس وصية على أحد، وألا تكرر أخطاء الماضي بخمس وصايا لا تقبل المساومة.
أولاً، الوعود السعودية بلا ضمانات دولية لا تساوي الحبر الذي كتبت به. التاريخ يثبت أن الرياض تخلت عن كل التزاماتها، والوثائق البريطانية تؤكد أنها دعمت انفصاليي 1994، فليكن أي اتفاق مكتوباً وملزماً أمام المجتمع الدولي، وإلا فليذهب إلى أدراج الرياح.
ثانياً، توحيد الصف الداخلي ليس خياراً بل ضرورة وجودية. الخلافات اليمنية-اليمنية هي السلاح الأكثر فتكاً في وجه أي مفاوض. الرياض بارعة في استغلالها، ولن تجد أسهل من فريق يمني مشتت لتمرير أجندتها. لا مفاوضات جادة قبل أن يتحدث اليمن بصوت واحد.
ثالثاً، السيادة على النفط والغاز والثروات المعدنية خط أحمر لا يُمس. لا يجوز السماح بمد أي أنبوب نفطي من "الشيبة" عبر المهرة، ولا تمرير مشروع "قناة سلمان" الذي يحول الساحل اليمني إلى ممر مائي تحت الهيمنة السعودية، دون عوائد يمنية واضحة وشفافة. وإلا فما الفرق بين هذه الصفقات ونهب المستعمر ثروات البلاد.
رابعاً، أي اتفاق أمني يجب أن يضمن حق اليمن في بناء قدراته الدفاعية واستيراد السلاح من أي مصدر يراه مناسباً. طرد كل القوات الأجنبية من الأراضي اليمنية دون استثناء هو شرط سيادي لا يمكن التفريط فيه، وإلا بقيت السيادة مجرد حبر على ورق.
خامساً، لا تراهنوا على رضا السعودية، بل على قوة أوراقكم. اليمن يمتلك موقعاً استراتيجياً على باب المندب والبحر الأحمر، وعلاقات مع القوى الصاعدة كالصين وروسيا، وورقة التنافس السعودي-الإماراتي المحتدم في الجنوب. هذه كلها أوراق ضغط حقيقية يمكن توظيفها، بدلاً من الجلوس في موقع المستجدي.
المملكة العربية السعودية تخرج من اليمن منهكة عسكرياً وسياسياً. أربع سنوات من الحرب المباشرة لم تحقق النصر، والتنافس مع الإمارات يفتت تحالفها. هذه ليست لحظة ضعف يمني، بل لحظة قوة إقليمية متغيرة يجب استثمارها.
اليوم، الفرصة سانحة لاستعادة السيادة والكرامة، لكنها لن تتكرر. إما أن تكون هذه المفاوضات نهاية الوصاية وبداية الندية، أو نبقى أسرى عقدة الخوف والاستجداء. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.