كيف يحاول العدو سحب الشارع اليمني من معركة كسر الحصار إلى شباك التحريض وصناعة العدو الوهمي ؟

كيف يحاول العدو سحب الشارع اليمني من معركة كسر الحصار إلى شباك التحريض وصناعة العدو الوهمي ؟

الزيارات: 52

لم تعد جبهات المواجهة في المشهد اليمني تقتصر على خطوط التماس العسكرية أو صرير السلاح المباشر، بل إن الأخطر والأشد فتكاً بات يُدار عبر فضاء رقمي هجين، غايته تفكيك التماسك الداخلي والسيطرة على الوعي الجمعي.

ومن يراقب المرتفعات الحدودية الوعرة اليوم، يدرك بعين الفاحص أن مطابخ البروباجندا الإعلامية الموجهة قد انتقلت من طور الشائعات التقليدية إلى هندسة "الأزمات الافتراضية"، مستخدمة تقنيات التكنولوجيا الحديثة كأدوات حرب نفسية متكاملة الأركان لإلهاء الشارع عن استحقاقاته السيادية والسياسية الكبرى.
وتأتي الحملة الإعلامية الممنهجة التي تجددت مؤراً بزخم مكثف لتستهدف ملف المهاجرين الأفارقة (خاصة من قومية الأورومو والإثيوبيين) المتواجدين في النطاقات الحدودية وكذلك داخل اليمن، كنموذج صارخ لهذا التوظيف الاستخباري الخبيث. إذ لم يعد الطرح مقتصراً على التخويف الجنائي التقليدي، بل جرى إقحام "التكنولوجيا الموجهة" لإعادة صياغة تفاصيل المشهد الميداني على نحو يغاير الواقع جملة وتفصيلاً، مستغلةً في ذلك أبعاداً جغرافية متشابهة لخلط الأوراق وتحقيق مكاسب سياسية مسبقة الصنع.

أولاً: سلاح اللعب على الشبه الجغرافي
جبال الحبشة، تعتمد الحملة الجديدة على تكتيك خبيث ومدروس يربط بين تضاريس إثيوبيا وطبيعة اليمن؛ حيث تمتلك إثيوبيا بيئة جبلية مشابهة تماماً لتضاريس صعدة والمناطق الحدودية اليمنية، وهناك في جبال الحبشة يتمركز المقاتلون المتمردون الذين يحاربون الحكومة الإثيوبية بكامل عتادهم العسكري، من هنا انطلقت غرف صناعة البروباجندا، مستخدمة تقنيات AIوالتزييف العميق لدمج تلك المشاهد ونقلها، أو فبركة بعض المقاطع التي ظهرت تُظهر الأفارقة في اليمن وكأنهم هم من يحملون السلاح ويمتلكون عتاداً عسكرياً متطوراً في شعاب الحدود. والهدف؟ إقناع المتلقي العادي بوجود خلايا مسلحة تنظم صفوفها للفتك باليمنيين عبر استغلال هذا التشابه التضاريسي المفضوح.وهنا نسأل هؤلاء المروجين والمشاهير: هل لديكم أدلة دامغة وحقيقية على أن الأخباش المتواجدين في اليمن هم من يحملون السلاح؟
الحقيقة من الميدان: الإجابة القاطعة هي لا؛ فلا توجد لديهم أدلة مادية سوى مقاطع قديمة. أولئك الذين نراهم بأعيننا في الجبال ليسوا جيشاً غازياً؛ بل هم أجساد نحيلة، أقدام حافية، وعيون يملؤها الرعب والإنهاك. إنهم يفضلون الاختباء والهرب في الجبال والوديان الوعرة، والأغلب منهم يتواجدون في أحواش مغلقة باحثين فقط عن فرصة للبقاء والعبور. نعم، كان هناك فساد واختلالات مرتبطة بعصابات التهريب ومنهم فاسدين ومجرمين، ولكن تم احتواؤها وضبطها في الفترة الأخيرة بشكل كبير جداً بفضل اليقظة الأمنية الصارمة. أما الاعتماد على فبركات الـAl وصور قديمة جداً ومجتزأة من صراعات الحبشة لإثبات عكس ذلك فهو قمة التدليس الإعلامي.

ثانياً: مسرح الجريمة الحقيقي.. من الذي يقتل على الحدود؟
حينما تتباكى أبواق الفتنة والمشاهير المأجورين على جثث الضحايا المنشورة صورها على منصات التواصل الاجتماعي، فإنهم يتعمدون ممارسة تعمية جغرافية وحقوقية مفضوحة؛فالحقيقة الصادمة واليومية هي أن النظام السعودي وحرس حدوده وجيشه هم القتلة الفعليون والأكبر على الإطلاق في هذه الجغرافيا الوعرة.>إن تلك الجثث والمشاهد المأساوية التي يتاجر بها المشاهير في ترنداتهم الموجهة، هي في الأصل لضحايا يمنييين سقطوا بطلقات وتفجيرات حرس الحدود والجيش السعودي، دون تمييز بين جثة مهاجر أفريقي أو مواطن يمني، هذا القتل الوحشي الممنهج يجري بضوء أخضر من السلطات السعودية لتصفية كل من يتحرك في نطاق التماس.

أما فيما يخص المهاجرين الأفارقة، فإن الواقع الميداني والقانوني يفرض توضيح محددين أساسيين:
تحديد النطاق الجغرافي:هؤلاء الأفارقة يتواجدون في العمق وراء الحدود وداخل الأراضي الواقعة تحت السيطرة السعودية، والجريمة تقع بحقهم هناك.
الموقف المبدئي الثابت:إن كشف زيف هذه الحملات ورفض شيطنة المهاجرين لا يعني بأي حال من الأحوال أننا نرضى أو نبرر دخولهم غير القانوني لليمن، ولا نبرر تواجدهم العشوائي في المناطق المفتوحة لما يمثله ذلك من أعباء أمنية وإنسانية؛ لكن شتان بين تنظيم ملف الهجرة وإيجاد حلول سيادية له، وبين استغلاله لفبركة تهم عسكرية وصناعة فزاعات تخدم القاتل الحقيقي.

ثالثاً: هندسة الترند البديل..
توقيت الهروب إلى الأمام إن التساؤل الجوهري الذي يفكك هذه الزوبعة هو:لماذا تتجدد هذه الحملة الآن وبهذه الكثافة؟
الجواب يكمن في قاعدة مألوفة في عالم صناعة الرأي العام، وهي صناعة الترند البديل فإثارة موضوع المهاجرين الأفارقة بهذا الشكل الهستيري وفي هذا التوقيت بالذات، يُراد منه لفت الأنظار وتشتيت الشارع اليمني عن التحذيرات والخطابات القوية والأخيرة التي أطلقها السيد القائد بشأن استمرار الحصار المفروض على الجنوب، وآثاره الكارثية، والملفات الاقتصادية والسياسية الساخنة. حينما تضيق خيارات الطرف الآخر سياسياً وعسكرياً، يصبح الترند العشوائي المدعوم من مشاهير ومؤثرين كبار أداة مثالية لتوجيه الغضب الشعبي نحو عدو وهمي، بدلاً من التركيز على القضية الأساسية الحية.

رابعاً: المال السعودي وتواطؤ المرتزقة هندسة مسارات التدفق
إذا تتبعنا خيوط هذه الحملة على الأرض، سنجد أنها عملية تكامل أدوار ممنهجة بتمويل مباشر من النظام السعودي، وبتسهيل وتواطؤ من المرتزقة في الجنوب لإغراق الشمال:
التمويل السعودي لشرعنة الجريمة: يهدف التمويل السعودي السخي لهذه الحملات الإعلامية إلى قلب الحقيقة وتحريض الشعب اليمني والادعاء زيفاً بأن الأفارقة هم من يقتلون اليمنيين؛ وذلك لتغطية جرائم الجيش السعودي وحرس الحدود، وإلصاق التهمة بالضحية تلاعباً بالعواطف الشعبية لشرعنة العنف والقتل الجماعي الذي يمارسه النظام السعودي أمام العالم.
دور المرتزقة في الجنوب: تُترك المحافظات الجنوبية والمنافذ التي يسيطر عليها المرتزقة كممرات مفتوحة ومسهلة لعبور آلاف الأفارقة وتوجيههم قسراً نحو مناطق سيادة حكومة صنعاء والشمال، ومن ثم دفعهم باتجاه الحدود المشتعلة. هذا السلوك يهدف إلى إغراق المناطق الشمالية بأعباء اقتصادية وإنسانية تفوق طاقتها، مع ترويج مغالطة كبرى تزعم أن هؤلاء المهاجرين يشكلون رافداً اقتصادياً لحكومة صنعاء، وهو جهل مركب بطبيعة هذا الملف الإنساني الثقيل.

خامساً: الاستهداف الأعمق.. محاولة تحريض الشارع ضد المجاهدين
الهدف الأعمق والأخطر لهذه الحملات يتجاوز المهاجرين الأفارقة كمجرد أفراد، ليصل إلى محاولة ضرب بنية المجتمع والوعي اليمني الداخلي. تسعى غرف البروباجندا الإعلامية للمرتزقة إلى تحريض المواطنين وتأليبهم ضد حكومة صنعاء خصوصًا وزارة الداخلية، عبر اتهامهم بالتقصير أو التواطؤ في هذا الملف، في محاولة بائسة لخلخلة الجبهة الداخلية وصناعة حالة من السخط الشعبي،بينما الحقيقة والواقع يثبتان أن الأغلبيّة الساحقة من هؤلاء "الأفارقة يعيشون سلميين، لا ينتمون لأي فئة سياسية أو مذهبية، ولا يحملون حقداً على أحد، بل يُراد اليوم تخوينهم وتحوير صورتهم لخدمة أجندة العدوان بعد أن عجزت آلته العسكرية عن تجنيدهم ضد الجبهة الداخلية المتماسكة.

خاتمة:
المعركة الحقيقية اليوم على الحدود ليست معركة عسكرية مع مهاجرين جائعين يبحثون عن مأوى، بل هي معركة وعي شاملة يقودها النظام السعودي وأدواته في الجنوب عبر خوارزميات التزييف وبدعم من مشاهير الإعلام المأجور، إن تفكيك هذه الآلة الإعلامية وكشف كواليسها السياسية يعد ضرورة استراتيجية لحماية الجبهة الداخلية، وللتأكيد على أن بوصلة الشارع اليمني ستبقى موجهة نحو القضايا السياسية الكبرى، وفي مقدمتها كسر الحصار الشامل ومواجهة المحتل، ولن تنحرف خلف فزاعات رقمية مصنوعة في غرف المخابرات بناءً على تضاريس مستعارة من جبال الحبشة.

طباعة