إن واقع اليمن الحالي القاتم الرؤية، الذي يبدو أكثر تعقيدًا، لم يكن وليد اللحظة الحالية، بل كان نتاج حلقات من الصراعات الحزبية والخلافات المناطقية والأطماع السلطوية والجهوية المترابطة ببعضها، بما رافقها من اختلالات إدارية وأمنية،
وأخطاء وإخفاقات وتجاوزات ومخالفات وفساد ومحسوبية وتعطيل للقانون، وغياب العمل المؤسسي المهني المستقل، وتأجيل الحلول للكثير من المشكلات الأمنية والقضائية والاقتصادية. كلها عوامل أضعفت مركز الدولة وجعلت منها هياكل إدارية مفرغة وضعيفة أمام بروز وتنامي المؤسسات الحزبية الممولة من أموال الدولة ومن الخارج، وكرست كل جهودها لتقوية مراكزها وشراء الولاءات للأحزاب دون اليمن.
فانتقل الصراع من صراع الدولة إلى صراع المصالح الحزبية والمناطقية والجهوية والقبلية، وغابت قوة الدولة وصولًا إلى انقسام الشعب وتصعيد الشارع من قبل أحزاب المعارضة التي تضم تحتها مجموعة من الأحزاب في 2011، وانشقاق الجيش، واستهداف جامع النهدين، واستهداف المتظاهرين، والمبادرة الخليجية، واتفاقية نقل السلطة لنائب الرئيس، وتشكيل الحكومة، ومؤتمر الحوار، وهيكلة الجيش، مع غياب المشروع الوطني الجامع والمسؤولية الوطنية من قبل جميع القوى اليمنية المنطوية تحت مؤتمر الحوار.
ذهبت بعض القوى لفرض تقسيم اليمن إلى أقاليم ومناطق، واستيراد دستور من خارج البلد لم تصنعه قبة البرلمان، مما ولد أحداث 2014، وخروج المظاهرات من جديد، وإسقاط الجرعة، وسقوط عمران بيد مكون أنصار الله، وتسليم العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014، والتوقيع على وثيقة السلم والشراكة بين أنصار الله والرئاسة.
وما رافق الأربع السنوات من اغتيالات وتفجيرات واستهدافات واختلالات أمنية وانتقامات وإقصاءات وفوضى داخل المؤسسات، وتحريض لموظفين للإطاحة بالقيادة العسكرية والمدنية من خلال استنساخ فوضى الساحات داخل المؤسسات، كلها زادت المشهد تعقيدًا، ومغادرة الرئيس صنعاء إلى عدن، سرآ وانقلابه على اتفاق السلم والشراكة، وسقوط ذمار وإب وتعز بيد مكون أنصار الله، والعدوان الأمريكي الصهيوني السعودي الإماراتي على اليمن في 26 مارس 2015، وما تلاها من تشكيل للمجلس السياسي الأعلى بصنعاء بين المؤتمر الشعبي العام وأنصار الله والقوى والأحزاب المناهضة للعدوان على اليمن، وإدخال اليمن تحت البند السابع، وفرض الحصار والعقوبات، والشرعنة للعدوان على اليمن الذي استمر عشر سنوات بين الكر والفر والتراجع، قتل خلالها عشرات الآلاف من أبناء اليمن، وبروز تحالفات وخروج أخرى، وجولات حوارات دولية متعددة.
15 عامًا أرهقت المواطن اليمني ودفع ثمنها من دمه وماله وراحته ووقته وحقوقه وخبزه. انكسر العدوان الخارجي ولم تستطع اليد اليمنية كسر أختها، وبالمقابل لن تستطيع العودة إلى الدولة الواحدة الموحدة الضامنة حقوق كل اليمنيين، خاصة بعد أن أصبحت القوى والمكونات تبني مجدها وتقوي نفوذها على حساب الدولة، وتفشي الفساد في كل مكان، وتمسك أغلب القوى بمواقفها رغم كل السنوات التي مرت والتي كل جهة عرفت نفسها ومكانها في الخارطة السياسية والجغرافية.
ينتظر اليمنيون شمالًا وجنوبًا انفراجة وحلًا سياسيًا شاملًا ينهي معاناتهم التي طال أمدها وبان ضررها على حياة الناس. يبقى الحوار هو الضامن الحقيقي للدولة اليمنية والسيادة والحرية والقرار، فلن تستطيع أي قوة ومكون حكم اليمن منفرداً أو بناء دولة على جزء من اليمن دون آخر، لن تستطيع بناء دولة لحالها، وكذلك الجنوب، وكذلك الشرق والغرب.