إيران والشرق الأوسط .. عودة المركز إلى صلب التنافس الدولي

إيران والشرق الأوسط .. عودة المركز إلى صلب التنافس الدولي

الزيارات: 137

أعادت الحرب على إيران ملف الشرق الأوسط إلى قلب التوازنات الدولية، في لحظة كانت واشنطن تسعى فيها لتقليص انخراطها المباشر في المنطقة والتركيز على آسيا والمحيط الهادئ، لكن تطورات الميدان، وأزمة مضيق هرمز، ومخاوف اضطراب البحر الأحمر، أعادت التأكيد أن الطاقة والممرات البحرية لا تزال ركائز أساسية في الاقتصاد العالمي واستقرار التجارة.

حضرت الحرب على إيران بقوة في النقاشات المصاحبة للقمتين (الأمريكية-الصينية) و(الروسية-الصينية)، في واشنطن وبكين، لم تعد المواجهة تُقرأ كأزمة إقليمية محصورة بالخليج، بل كحلقة من الصراع على شكل النظام الدولي ومستقبل توزيع القوة.
الصين، بوصفها أكبر قوة صناعية وتجارية، تنظر إلى الخليج وهرمز والبحر الأحمر كعقد جيوسياسية حيوية، وأي اضطراب طويل هناك يعني ارتفاع أسعار الطاقة، وتعطيل سلاسل الإمداد، وإرباك النمو الصناعي الصيني، لذلك ركز الخطاب الصيني على منع التصعيد، وتأمين الممرات، وتجنب انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة.
في المقابل، تتعامل واشنطن مع المنطقة كجزء من بنيتها الاستراتيجية التي منحتـها لعقود قدرة التأثير على أسواق الطاقة والتحكم بالممرات البحرية، فالحرب على إيران كشفت التناقض في السياسة الأمريكية: منع انفجار واسع يهدد الاقتصاد العالمي، وفي الوقت ذاته إدارة تنافس حاد مع الصين على الطاقة والتكنولوجيا والطرق البحرية.
في موسكو وبكين، جرى ربط الحرب على إيران بمسار التحول من القطبية الأحادية إلى تعددية قطبية غير مكتملة، في حين ترى روسيا أن التصعيد الأمريكي والعقوبات جزء من نمط ثابت يهدف للحفاظ على التفوق الغربي عبر السيطرة على الطاقة والنظام المالي، وتحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الأوراسية لموسكو وبكين بسبب موقعها الجغرافي وربطها بين الخليج وآسيا الوسطى والمحيط الهندي ومشاريع "الحزام والطريق"، وأي محاولة لإضعاف طهران، من وجهة نظرهما قد توسع الحضور العسكري الأمريكي وتقوض مشاريع الربط الاقتصادي الأوراسي.
رغم التقارب الروسي-الصيني في التقييم الاستراتيجي يختلف التكتيك، فموسكو تتعامل مع الحرب بوصفها محاولة أمريكية لإعادة تثبيت الهيمنة في لحظة تحول دولي وتربطها بملفات أوكرانيا وتوسع الناتو والعقوبات، أما بكين فتفضل خطاب التهدئة والحلول السياسية، لأن أولويتها حماية البيئة الاقتصادية التي يقوم عليها صعودها الصناعي، لكن الطرفين يتفقان على أن الشرق الأوسط لم يعد هامشاً، بل جزء من معركة الطاقة والممرات والبنية المالية والتوازن العسكري.
كشفت الحرب حدود القوة الأمريكية: تفوق عسكري ومالي وتكنولوجي واسع، لكن إدارة الأزمات أصبحت أكثر تعقيداً وكلفة مقارنة بمرحلة التسعينيات، فواشنطن اليوم مضطرة لإدارة معادلة دقيقة تجمع بين الردع والتصعيد ومنع انهيار الاستقرار الاقتصادي العالمي.
وفي المقابل، كشفت الحرب أيضاً حدود المشروع (الروسي-الصيني)، موسكو وبكين تملكان قدرة متزايدة على المنافسة وبناء مؤسسات بديلة، لكن الاقتصاد العالمي ما يزال مرتبطاً بالدولار والأسواق الغربية والبنية التكنولوجية التي تشكلت في ظل الهيمنة الأمريكية، لذلك تبدو التعددية القطبية عملية انتقال طويلة، تتداخل فيها العقوبات والحروب الإقليمية والتنافس على التكنولوجيا والطاقة.
أكدت الحرب على إيران أن الشرق الأوسط عاد إلى موقع مركزي في إعادة تشكيل النظام الدولي، ولم تعد المنطقة ساحة جانبية، بل أصبحت جزءاً من الصراع على الطاقة، والممرات، وسلاسل التجارة، والبنية المالية.
المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التنافس المتشابك: اقتصادي، عسكري، وتكنولوجي، في عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة دون وصول سريع إلى نظام مستقر، وسيبقى الخليج والبحر الأحمر والمحيط الهندي مفاتيح أساسية في هذا التحول بسبب ارتباطها المباشر بمستقبل توزيع القوة في القرن الحادي والعشرين.

طباعة