في السياسة اليمنية، لا يبدو التجمع اليمني للإصلاح حزباً عادياً يمكن قراءته من خلال بياناته الرسمية فقط، فالحزب الذي وُلد من تحالف الدين والقبيلة والسياسة، أمضى جزءاً كبيراً من تاريخه وهو يحاول إعادة تعريف نفسه كلما تبدلت خرائط المنطقة.
ولهذا لم يعد السؤال الحقيقي: هل الإصلاح قريب من جماعة الإخوان المسلمين؟ .. بل لماذا يقضي الحزب نصف وقته السياسي في نفي هذه العلاقة؟!.
منذ سنوات، يتكرر المشهد ذاته بصورة تكاد تكون مألوفة؛ تضيق المساحة الإقليمية على الإخوان، فتظهر قيادات الإصلاح لتؤكد أن الحزب "يمني مستقل"، وأنه لا يرتبط بأي تنظيم دولي.
يتغير التوقيت، وتتبدل العواصم، لكن اللغة تبقى نفسها، وكأن الحزب يعيش حالة دفاع دائمة عن تهمة لا يريد الاعتراف بها بالكامل ولا يستطيع التخلص منها نهائياً.
والمفارقة أن جذور الحكاية لا تبدو غامضة إلى هذا الحد، فالإصلاح لم يولد كحزب سياسي تقليدي خرج من رحم التجربة اليمنية وحدها، بل تشكل في سياق إقليمي أوسع ارتبط بسنوات الحرب الباردة والصراع مع التيارات اليسارية في جنوب اليمن - آنذاك، حيث برزت "الجبهة الإسلامية" كجزء من معركة سياسية وعسكرية مدعومة إقليمياً، وكان التيار الإخواني أحد أعمدتها الفكرية والتنظيمية.
وعند قيام الوحدة اليمنية 22 مايو 1990، لم يختف ذلك التيار، بل أعاد ترتيب نفسه داخل كيان سياسي جديد حمل اسم "التجمع اليمني للإصلاح".
هناك، التقت القبيلة بالدعوة الدينية، واجتمع النفوذ الاجتماعي مع التنظيم العقائدي .. وظهر الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر بوصفه الواجهة القبلية الأقوى، بينما منح عبد المجيد الزنداني الحزب ثقله الديني، في الوقت الذي تولى فيه التيار المحسوب على الإخوان صياغة الكثير من ملامحه الفكرية والسياسية.
لهذا تبدو محاولات الفصل الكامل بين الإصلاح والإخوان أقرب إلى محاولة إعادة كتابة السيرة السياسية للحزب أكثر من كونها مراجعة حقيقية للتاريخ.. فحتى أدبيات الحزب نفسها لم تكن تخفي هذا القرب الفكري في مراحل سابقة.
وفي كتاب الإصلاح.. الفكرة والمسار ، تظهر إشادات واضحة بتجربة الإخوان المسلمين وأديباتهم، ما يجعل خطاب النفي الحالي يبدو متأخراً عن النصوص التي صاغها الحزب بنفسه.
ومع ذلك، استمر الإصلاح في تقديم رواية أخرى عن ذاته، ففي المقابلات الإعلامية والبيانات السياسية، يتجنب قادته الحديث عن العلاقة الفكرية، ويركزون بدلاً من ذلك على نفي "الارتباط التنظيمي المباشر"، وكأن القضية كلها تختصر في وجود مكتب قيادة عالمي أو هيكل إداري عابر للحدود.
لكن هذا النوع من النفي لا يجيب عن السؤال الأعمق المتعلق بالمرجعية الفكرية والسياسية التي تأسس عليها الحزب منذ البداية.
وخلال العقد الأخير، أصبح هذا الإنكار جزءاً من السلوك السياسي للحزب، ففي كل مرة تتعرض فيها جماعة الإخوان لضغوط إقليمية، يسارع الإصلاح إلى تخفيف صورته الأيديولوجية وتقديم نفسه باعتباره حزباً يمنياً خالصاً.
حدث ذلك بعد تصاعد الموقف الخليجي من الجماعة، ثم تكرر مع التحولات الإقليمية اللاحقة، قبل أن يعود مجدداً مع الخطاب الدولي الأكثر تشدداً تجاه حركات الإسلام السياسي.
هذه التحولات لم تضع الإصلاح أمام أزمة تحالفات فقط، بل أمام أزمة هوية أيضاً، فالحزب الذي نشأ في زمن كانت فيه الجماعات الإسلامية تُعامل كحليف سياسي في بعض الملفات، وجد نفسه اليوم في بيئة مختلفة تماماً؛ بيئة لم تعد تمنح الانتماء الإخواني القيمة السياسية نفسها، بل باتت تنظر إليه باعتباره عبئاً أمنياً وإقليمياً.
ولهذا يبدو الإصلاح عالقاً بين صورتين متناقضتين؛ صورة داخلية لا تستطيع التخلي عن الإرث الفكري الذي قام عليه الحزب، وصورة خارجية تحاول إقناع الآخرين بأنه مجرد حزب محلي لا علاقة له بأي مشروع عابر للحدود.
وبين الصورتين، يتحول الإنكار من موقف سياسي مؤقت إلى حالة مزمنة ترافق الحزب كلما تبدلت موازين المنطقة.
وربما تكمن المشكلة الحقيقية هنا : فالأحزاب الواثقة من هويتها لا تضطر إلى إعادة تعريف نفسها عند كل عاصفة سياسية.. أما الإصلاح، فيبدو كحزب يخشى صورته القديمة كلما أصبحت مكلفة.
وفي النهاية، فإن القضية لم تعد مرتبطة فقط بما إذا كان الإصلاح فرعاً للإخوان أم لا، بل بمدى قدرة الحزب على تقديم تعريف واضح وصريح لهويته السياسية.
وفي اليمن الذي أنهكته الحروب والانقسامات لم يعد اليمنيون يبحثون عن أحزاب تجيد تغيير خطابها بقدر ما يبحثون عن ساعة الفرج، وعن قوى سياسية تقول بوضوح من تكون، وماذا تريد، وإلى أي مشروع تنتمي.