كيف يعيد تأنيب الضمير بناء شخصية الإنسان؟

كيف يعيد تأنيب الضمير بناء شخصية الإنسان؟

الزيارات: 190

في الحياة اليومية وبين المعارك الصاخبة التي يخوضها الإنسان مع محيطه الخارجي يرتدي فيها أقنعته ويصيغ مبرراته ويدافع عن صورته أمام جبهات الآخرين لكن أصعب هذه المعارك وأشدها ضراوة هي تلك التي تدور خلف الكواليس في الخلوة المطلقة بين الإنسان ونفسه حيث تسقط الأقنعة دفعة واحدة ويقف الإنسان وجهاً لوجه أمام حقيقته دون رتوش.

الخجل أمام النفس ليس مجرد انفعال عابر بل هو هزة ارتدادية تصيب الوجدان عندما يكتشف المرء الفجوة السحيقة بين مايقوله وبين سلوكه الواقعي ليجد نفسه فجأة جافياً أمام مرآة لا تكذب يرى فيها نسخته الحقيقية.
عندما يخطئ الإنسان في حق الآخرين قد يهرب منهم أو يطلب غفرانهم لكن عندما يخجل من نفسه أين يهرب؟ إنه يعيش أصعب أنواع العزلة داخل جسده وعقله ويصبح الصمت الداخلي ثقيلاً والذكريات مجهراً يسلط الضوء على موطن الخذلان فمواجهة الآخرين أهون بكثير من مواجهة الذات لأن الآخر يمكن خداعه بالمبررات بينما الذات لا تقبل الزيف.
حين يخجل الإنسان أمام نفسه فإنه يقف أمام المحكمة الأكثر عدلاً والأشد قسوة في آن واحد محكمة الضمير حيث القاضي والجلاد والشاهد هو الشخص ذاته.
هذا النوع من الخجل لا يحتاج إلى جمهور ولا يغذيه خوف من فضيحة أو ملامة من الآخرين بل ينبع من الفجوة التي تحدث فجأة بين ما يعتقد الإنسان أنه عليه من مبادئ وقيم وبين سلوك واقعي خذل فيه نفسه.
الإنسان يبني لنفسه عبر سنوات عمره وتجاربه جداراً من القيم والمبادئ والنزاهة والشجاعة والوفاء والكبرياء ..إلخ يحدث الخجل أمام النفس عندما تسقط هذه الصورة المثالية في لحظة ضعف أو عند اتخاذ قرار على حساب المبدأ وفي تلك اللحظة تصبح مواجهة النفس عبئاً لأن الإنسان يرى نسخته العارية من المبررات والمسكنات التي يضحك بها على الآخرين ومع ذلك هذا الخجل هو دليل على يقظة الضمير وسمو الوعي وهذا الألم النفسي رغم مرارته هو علامة صحية وثبوتية على أن البوصلة الداخلية لا تزال تعمل وأن الإنسان لم يغرق تماماً في مستنقع التبرير وهو مخاض لتصحيح المسار إنه اللحظة الوجودية التي تسبق التوبة الذاتية وإعادة بناء ما انكسر فالإنسان الذي يخجل من نفسه هو إنسان يملك فرصة حقيقية لتصحيح النفس وبناء الذات لأن الخوف الحقيقي ليس من الخجل بل من تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان نفسه وهذا الوجع الوجودي الذي يخلّفه الخجل من الذات رغم قسوته ومرارته التي تشبه طعم الرماد هو ميلاد جديد والمخاض الذي يسبق التطهر والعبور نحو ضفة الاستقامة الروحية.
أخطر ما قد يصيب الإنسان ليس الخطأ بل الاعتياد عليه حتى يفقد قدرته على الشعور بالخجل وحينها لا يموت الضمير دفعة واحدة بل يتآكل بصمت ويتحول الانحدار الأخلاقي إلى أمر اعتيادي لا يهز الداخل ولا يوقظ الروح.
ما دام الإنسان قادراً على أن يخجل من نفسه فإنه ما يزال يمسك بزمام إنسانيته ويملك فرصة حقيقية لإعادة ترميم ما انكسر لينهض من عزلته أكثر نضجاً وأشد صلابة وأقرب إلى النقاء وما دام الضمير قادراً على إيلامنا فنحن لم نفقد أنفسنا بعد.

طباعة