يحمل يوم 15 مايو 1948 دلالة مأساوية في الذاكرة العربية؛ ففي ذلك اليوم أُعلن قيام الكيان الإسرائيلي، وبدأت معه سلسلة من الجرائم والمجازر التي استهدفت الوجود الفلسطيني..
طُرد أكثر من 750 ألف فلسطيني من قراهم ومدنهم، وهُدمت مئات القرى، وتحولت معاناة التهجير إلى عنوان دائم للقضية حتى يومنا هذا، ومنذ ذلك الحين بقيت النكبة حاضرة في الوجدان الفلسطيني، وتجسدها صورة "مفتاح العودة" كتعبير عن تمسك اللاجئين بحقهم في العودة إلى أرضهم، فما جرى لم يكن حادثة عابرة، بل كان بداية لمسار طويل من العنف والاقتلاع، جعل المنطقة تعيش منذ 78 عاماً حالة من عدم الاستقرار.
تحولت نكبة 1948 إلى سلسلة نكبات متلاحقة، ففي يونيو 1967 سُلبت بقية الأرض الفلسطينية بالاحتلال، وفي 1988 جاء الإعلان عن دولة على الورق دون وجود ميداني، ثم تلتها اتفاقية أوسلو عام 1993 التي تنازلت عن حق العودة وشرعنت الاحتلال ولم تتوقف المحطات عند ذلك، ففي 2005 أُجهضت انتفاضة الأقصى بوعود لم تتحقق، بينما تتصاعد اليوم حرب الإبادة في غزة التي أودت بحياة نحو 73 ألف شهيد وأصابت أكثر من 173 ألفاً، في حين شكلت معركة طوفان الأقصى نقطة تحول، إذ أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد العالمي، وأكدت أن المقاومة هي السبيل الوحيد لمواجهة الاحتلال واستعادة الأرض والقدس.
المقارنة بين الماضي والحاضر تكشف استمرارية الجريمة. فمذبحة دير ياسين التي راح ضحيتها أكثر من 100 فلسطيني عام 1948م تكررت بأشكال أوسع في غزة، حيث وُثق أكثر من 7000 مجزرة بحق العائلات منذ أكتوبر 2023، ومُسحت 1500 عائلة بالكامل من السجل المدني. وإذا كانت الجيوش العربية قد تدخلت عام 1948، فإن الموقف اليوم يقتصر على المشاهدة، باستثناء اليمن الذي ساند المقاومة بعمليات مباشرة.
تطورت أدوات القتل من البنادق والقنابل اليدوية إلى أطنان المتفجرات التي تمحو أحياء كاملة، ومن السيارات المكشوفة إلى الجرافات المدرعة التي تجرف البيوت وأجساد الأطفال، كما عادت مشاهد الخيام التي أقامتها الأمم المتحدة عام 1948 لتتكرر في غزة اليوم، حيث يعيش النازحون بلا ماء نظيف أو غذاء كافٍ أو رعاية صحية، وسط تفشي الأمراض وسوء التغذية.
ما يجري ليس حدثاً منفصلاً، بل امتداد لمشروع استعماري قائم على التهجير القسري، وتدمير البنية التحتية، وتغيير التركيبة السكانية. إنه تطبيق لأدوات حديثة لنفس الهدف القديم: تفريغ الأرض من أهلها وفرض السيطرة الكاملة عليها، في إطار ما يُسمى "إسرائيل الكبرى"، ورغم كل هذه المحاولات، يواصل الشعب الفلسطيني التمسك بحقه التاريخي، فأربعة أجيال تعيش على حلم العودة ويورثون لأبنائهم حب الوطن كما يرضعونهم الحليب، وهذا الوعي الراسخ يربط بين ذاكرة 1948م وواقع اليوم، ويغذي جيلاً أكثر تشبثاً بالأرض وأكثر إصراراً على المقاومة.
78 عاماً كانت كافية لصناعة جيل مقاوم يؤمن بالتحرير، ويرى أن الرد على النكبة يكون ببناء جبهة وطنية موحدة، واستراتيجية شاملة تعيد الاعتبار للمقاومة بكل أشكالها، فالعودة حق لا يسقط بالتقادم، والأرض لا تُنتزع من ذاكرة شعبها مهما طال الزمن.
الخلاصة التي يؤكدها التاريخ: لا عدالة ممكنة دون إنهاء الاحتلال وتمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم وضمان عودة اللاجئين والصمت الدولي ليس حياداً، بل غطاء لاستمرار الجريمة.