في 6 مايو 2025، تغيّرت المعادلة ولم تعد حاملات الطائرات الأمريكية رموزاً للسيطرة المطلقة، بل تحولت إلى أهداف تبحث عن مخرج، فاليمن المحاصر منذ عقد، كتب فصلاً جديداً في حروب غير متكافئة، وأثبت أن الإرادة يمكنها أن تكسر لغة التهديد،
ومع عودة إسرائيل لشن حربها على غزة مطلع 2025، وانهيار الاتفاقات، قررت صنعاء أن تربط مصيرها بمصير غزة ولم تكن مشاركة رمزية ودخلت اليمن المواجهة بحراً وجواً، فتوحدت الجبهات مقاومة في غزة، وضربات من اليمن على خطوط الملاحة وعلى عمق الكيان.
حينها أدرك التحالف الأمريكي البريطاني الإسرائيلي أن إسكات غزة يبدأ من إسكات اليمن ووضعت واشنطن أهدافاً أربعة: تأمين مسار السفن المتجهة لإسرائيل، وقف ضربات اليمن، تدمير قدراته الصاروخية والجوية، واستعادة هيبة الردع الأمريكي التي اهتزت لسنوات ولكن النتيجة جاءت عكسية فمحاولة إصلاح الردع في اليمن أدت إلى تآكله أكثر، حيث شنت القاذفات الاستراتيجية وطائرات الشبح لتحالف العدوان غارات واسعة على اليمن وسقط مئات المدنيين من الشيوخ والنساء والأطفال في قصف وصف بأنه عقاب جماعي، فالرهان كان على الرعب الجوي لكسر إرادة اليمنيين ولكن كل غارة كانت تصنع إصراراً أكبر، فالمليونيات في ميدان السبعين وساحات المحافظات اليمنية قالت حينها كلمتها الأخيرة: القصف يزيدنا حضوراً لا انكساراً.
التصعيد الأمريكي لم يوسع الجبهة فقط، بل غيّر قواعدها، الحظر البحري اليمني الذي بدأ بالسفن المتجهة لإسرائيل امتد ليشمل السفن الأمريكية نفسها، وفجأة أصبح الأسطول الأمريكي الأضخم في العالم يبحث عن طرق بديلة أطول وأغلى للهروب من الضربات اليمنية، واليمن الذي كان يُمنع من سيادته البحرية لقرون أمسك بتلابيب باب المندب وأعاد تعريف من يملك زمام الممر.
الأرقام التي تسربت من واشنطن كشفت جزءاً من الكلفة: أكثر من مليار دولار في الشهر الأول، ذخائر متقدمة لا تُعوّض بسهولة، طواقم بحرية منهكة، وإنهاك نفسي غير مسبوق، في المقابل، يقاتل اليمن بوتيرة تصاعدية، ويطور صواريخه ومسيراته كأنه يستعد لمعركة طويلة، لا لحملة شهرين والفجوة هنا ليست في السلاح، بل في الاستعداد النفسي والاستراتيجي، فالضربات اليمنية لم تتوقف عند الدفاع، بل امتدت إلى أهداف حيوية داخل الأراضي المحتلة منها مطار بن غوريون وقواعد عسكرية صهيونية تعرضت لصواريخ ومسيرات كشفت ثغرات في المنظومة الدفاعية الإسرائيلية، وهنا ظهرت معادلة جديدة للحرب: ليس الأهم كم تملك من طائرات، بل كم تكلفك كل ضربة مقابل ما تخسره، فصاروخ يمني رخيص يمكنه أن يعطّل حاملة طائرات، أو يرفع كلفة التأمين البحري، أو يجبر خطوط الشحن على تغيير مسارها والضغط الاقتصادي أصبح سلاحاً موازياً للنار.
اليمن لم يتراجع ولم يرفع الحظر عن سفن إسرائيل، ولم يوقف ضرباته، بل واصل إسناد غزة، مؤكداً أن الموقف ليس ورقة تفاوض، بل ثابت ديني ووطني عملياً، فقد فصلت صنعاء واشنطن عن تل أبيب، والكيان وجد نفسه وحيداً في مواجهة الصواريخ والمسيرات في مشهد كشف هشاشة التحالفات حين تصطدم بإرادة لا تنكسر.
خرج اليمن من هذه الجولة كقوة أعادت رسم حدود الممكن، حين استخدم المتاح بذكاء، وحول الحصار إلى دافع للتطوير، والضعف الظاهري إلى ميزة، وفي المقابل، ظهر عجز عربي وإسلامي مؤسسي، فكثير من الأنظمة صمتت أمام مجازر غزة، بينما اليمن، رغم جراحه كان في الصف الأول.
6 مايو لم يكن انتصاراً على عدوان ثلاثي فقط، بل كان تاريخاً لوضع أسطورة الردع الأمريكي تحت الاختبار وأثبت أن الموقف الصادق والإرادة الثابتة يمكنها أن تهزم أضخم آلة حربية، فقد خرج الأمريكي من المستنقع، وبقي اليمن سيداً على بحره وأجوائه، بينما ظل الكيان الصهيوني تحت ضغط الحصار.